Tue20200922


المنهج العلمي في التعامل مع الرواية

السيد منير الخباز

عدد التحميلات
1250
كود المدونة او الموقع
لإضافة مقطع المنهج العلمي في التعامل مع الرواية بصوت السيد منير الخباز في موقعك او مدونتك انسخ الكد التالي :
30 × 300
30 × 450
30 × 600
30 × 1000
عرف
:طول
px
:عرض
px
کن اول من یعلق عن هذا المقطع الصوتی
المنهج العلمي في التعامل مع الرواية - السيد منير الخباز
تاريخ الاضافة
2011-12-10 09:29:03
عدد الاستماعات
288
المدة
01:06:42
عدد التحميلات
1250
نص هذا المقطع
 المنهج العلمي في التعامل مع الرواية
بسم الله الرحمن الرحيم
{وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً} [1]
آمنا بالله صدق الله العلي العظيم
انطلاقًا من الآية المباركة التي تنهى عن أن يعتمد الإنسانُ على شيءٍ من دون حجّةٍ ولا برهانٍ نتحدّث عن كيفيّة التعامل مع الحديث أو مع الرّواية، هناك اتجاهان في التعامل مع الرواية متعاكسان:
1- اتجاهٌ نقديٌ.
2- واتجاهٌ حشويٌ.
فالاتجاه النقدي هو الاتجاه الذي يرفض أي روايةٍ لا تخضع للاستحسان العقلي، والاتجاه الحشوي بعكس ذلك تمامًا، يعمل بكل روايةٍ ترد عن النبي أو الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، وكلا الاتجاهين خطأ، سواءً كان اتجاهًا نقديًا أو كان اتجاهًا حشويًا، فإنّ الأخذ بالحديث أو بالرواية يعتمد على مجموعة ركائز لابدّ من التأمّل فيها:
الركيزة الأولى هي: الركيزة العقلية.
لا يمكن الأخذ بالرواية قبل أن نعرف أنّ مضمون هذه الرواية هل يتوافق مع العقل الفطري أم لا، فليس المدار على أن يتوافق مع استحساناتنا الشخصية أو عدم ذلك، المراد بالعقل الفطري هو القضايا البديهية التي يسلم بها كلُ أحدٍ، وليس المراد من العقل الفطري ما نستحسنه وما نستقبحه نحن بتصوراتنا الشخصية، ومن أجل أن أشرح مضمونَ هذه الركيزة – وهي عرض الرواية على العقل الفطري البديهي الذي يقبله كل أحدٍ وليس الاستحسانات التي يختلف الناسُ في تقويمها – هناك جهاتٌ أربع ترتبط بموافقة العقل لابدّ من فهمها من الرواية:
الجهة الأولى: ألا يكون مضمونُ الرواية متهافتًا (يعني: متناقضًا).
أضرب لك مثالاً: في (كتاب الكافي، الجزء الأول، باب أن أهل الذكر هم الأئمة عليهم السلام) عندنا رواية عن أبي بصير عن الإمام الصادق في تفسيره قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} [2]، ما معنى ذكرٌ لك؟ ما هو الذكر؟ جاءت هذه الرواية تفسّر الذكر فقال أبو بصير عن الصادق (عليه السلام): "الذكر هو رسول الله (صلى الله عليه وآله)"، هذه الرواية سيدنا الخوئي في كتابه (معجم رجال الحديث) في الجزء الأول يتعرّض لهذه الرواية، يقول: هذه الرواية متهافتة، يعني: لا يقبلها العقلُ البديهيُ، لأنّ الرواية تقول: الذكر هو الرسول، والآية تقول: {إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ} يعني: يا رسول الله، كيف يكون الرسول ذكرًا لنفسه؟! الآية تقول: {إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ} والرواية تقول: الذكر هو الرسول (ص)، إذن النتيجة: سوف يكون الرسول ذكرًا لنفسه! وهذا أمرٌ لا معنى له، إذن العقل البديهي بأول تأمّلٍ لا يقبل هذا المدلول من الرّواية، هذه الجهة الأولى.
الجهة الثانية: ألا يكون مفاد الرّواية مخالفًا للواقع (يعني: ثبت أنّه مخالفٌ للواقع).
مثل ماذا؟ الشيخ الطوسي (عليه الرحمة) في كتابه (التهذيب، في الجزء الرابع، حديث 477) يروي بعدة طرق عن محمد بن أبي عمير عن أبي الحسن، لاحظ كيف لفظ الحديث: "إنّ شهر رمضان لا ينقص عن ثلاثين يومًا" هذا المضمون مخالفٌ للواقع، الواقع يثبت أنّ شهر رمضان كغيره من الشهور قد يصل إلى ثلاثين وقد يكون تسعة وعشرين يومًا لا أنه لا ينقص عن ثلاثين يومًا، ولذلك الشيخ نفسه – الطوسي – يعلق على هذا الحديث، يقول: هذا الحديث لا يوجد في شيءٍ من الأصول المصنفة، بل هو من شواذ الأخبار.
رواية أخرى: رواية السكوني عن جعفر (عليه السلام) عن أبيه – يعني: محمد الباقر – (حديث 4، باب 4 من أبواب النجاسة، من كتاب وسائل الشيعة)، الإمام الباقر يتحدث عن الإمام علي "إنّ عليًا (عليه السلام) قال: لبن الجارية..." الجارية يعني: الأنثى التي قبل أن تطعم، يعني: الأنثى في فترة الرضاعة، الأنثى في فترة الرضاعة لو وقع لبنها أو بولها على ثوب أمّها هل يغسل الثوبُ منه؟ الرواية تفرّق بين الذكر وبين الأنثى: "إنّ لبن الجارية وبولها يُغْسَل منه الثوبُ قبل أن تطعم (يعني: قبل أن تصل إلى حد الأكل، مازالت ترضع قبل أن تطعم، لماذا؟!) لأنّ لبنها يخرج من مثانة أمّها، ولبن الغلام – يعني: الذكر – لا يُغسَل منه الثوبُ ولا بوله قبل أن يطعم لأنّ لبن الغلام يخرج من الغضدين والمنكبين".
طبعًا هذه الرواية مخالفة للواقع الطبي، الواقع الطبي يقول: لا يوجد فرقٌ بين اللبن الذي يخرج للذكر أو اللبن الذي يخرج للأنثى من حيث المصدر، كلاهما من مصدرٍ واحدٍ، لا أنّ اللبن الذي يخرج للأنثى يخرج من مثانة الأم، واللبن الذي يخرج للذكر يخرج من العضدين أو المنكبين، لا فرق بينهما من حيث المصدر، إذن هذه الرواية مخالفة للواقع، يعني: ما ثبت بالواقع، مع أنّها رواية.
الجهة الثالثة: ألا تكون الرواية مخالفة للعقائد المسلمة التي قام عليها دليلٌ قطعيٌ.
مثل ماذا؟ مثلاً: يذكر صاحب وسائل الشيعة (حديث 2، باب 2 من مقدمات الطلاق) عن أبي عبد الله – يعني: الصادق – (عليه السّلام): "إنّ الحسن بن علي (الحسن المجتبى) طلق خمسين امرأة، فقام عليٌ – يعني: أبوه – عليه السلام بالكوفة، فقال: لا تنكحوا الحسن (لا تزوّجوه) فإنّه رجلٌ مطلاقٌ".
هذه الرواية وإن كانت صحيحة من حيث سندها لكنها تتنافى مع عقيدتنا بأنّ المعصوم لا يفعل محرّمًا ولو فعل مباحًا لا يجوز التشهير به، فالإمام الحسن إمّا فعل محرّمًا أو فعل مباحًا، فإنْ كان فعل محرّمًا فهذا يتنافى مع عصمته، وإن كان فعل مباحًا فكيف يجوز لأبيه الإمام أمير المؤمنين أن يشهّر به على المنبر؟! إذن هذه الرّواية لا تنسجم مع العقيدة المسلمة التي قامت عليها الأدلة القطعية أنّ المعصوم لا يفعل محرّمًا ولا يفعل مع ما لا يليق بكمال الإنسان المؤمن.
عندك رواية أخرى أيضًا: (حديث 1، باب 61 من أبواب مواقيت الصلاة) عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله – يعني: الصادق – (عليه السلام) قال: سمعته يقول: "إنّ رسول الله رقد فغلبته عيناه فلم يستيقظ لصلاة الصّبح حتى آذاه حرّ الشّمس (عندما حسّ بالشمس يا الله قعد!) ثم استيقظ فعاد ناديه ساعة (يعني: لم يصلِ أيضًا في نفس الوقت، أخّرها ساعة!) وركع ركعتين ثم صلى الصّبح، وقال: يا بلال ما لك؟! (لماذا لم تنبهني من النوم؟!) فقال بلال: أرقدني الذي أرقدك يا رسول الله! فكره رسولُ الله المقام (كره أن يجلس في ذلك المكان) وقال: نمتم بوادي الشيطان".
هل أن النبي (ص) يُتَصَوَّرُ في حقه – وهو أفضل الخلق على الإطلاق – أن ينام عن صلاة الفجر؟! فإنّ هذا جزءٌ من السّهو الذي قالت عنه الآية المباركة: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [3] والسّهو كما يتحقق بالسّهو أثناء الصّلاة يتحقق بالسّهو عن أصل الصّلاة، وكلّ السّهو – أثناء الصّلاة أو عن أصل الصّلاة – إنّما هو لغلبة الشّيطان على الإنسان، إذا غلب الشّيطانُ على الإنسان أسهاه عن صلاته، وهل يُتَصَّوَرُ للشيطان سيطرة على رسول الله (ص) والقرآن الكريم يقول: {لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [4]، {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ} [5].
أيضًا من جملة الرّوايات التي لا تتفق مع العقيدة المسلمة: هناك بعضُ الفرق التي ظهرت في العراق... الآن في هذه الفترة أصبح العراقُ نتيجة الأحداث المأساوية التي يمرّ بها مسرحًا لهذه الفرق وهذه الاتجاهات الفكريّة الباطلة، هناك فرقة ظهرت ترى اعتمادًا على روايةٍ رواها الشّيخُ الطوسيُ في كتاب الغيبة أنّ النبي (ص) ليلة وفاته طلب الإمامَ عليًا (عليه السّلام) وقال: اكتب وصيتي، صار النبيُ يملي والإمام علي يوصي، فمن جملة رواية الوصية: قال له: "بعدي اثنا عشر إمامًا، أنت أولهم، وبعد اثني عشر إمامًا اثنا عشر مهديًا" يعني: سوف يصبح الجميع أربعة وعشرين، ثم يعدّد إلى أن يصل إلى الإمام الحجّة (عجّل اللهُ فرجَه الشّريف) فيقول: "فإذا حضرته الوفاة – يعني: الإمام الحجّة – فليسلمها (يعني: الراية، راية الدولة) إلى ابنه وهو أوّل المقرّبين" ثم يبدأ اثنا عشر مهديًا يستلمون الدولة بعد الإمام القائم (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).
هذه الرّواية مع غمض النظر عن سندها لأنّ فيه مجاهيلَ: جعفر بن محمد المصري، أحمد بن محمد بن الخليل... جماعة لم يوثقوا، قال عنها الشّيخ الحر صاحب الوسائل، الشيخ الحر العاملي قال في كتابه (الإيقاظ من الهجعة في البرهان على الرجعة) قال: هذه الرواية رُوِيَت من قِبَلِ أهل السنة، من قِبَلِ العامّة، لعلها للطعن في عقيدتنا رُوِيَت بهذا الشكل، ثم قال: وإنّها تتنافى مع ما هو المتواتر من الأحاديث عندنا على أنّ الأوصياء اثنا عشر فقط وأنّ دولتهم – يعني: الاثني عشر – تمتدّ إلى يوم القيامة، فنحن لا نحتاج إلى اثني عشر مهديًا من بعدهم، هي دولتهم تمتدّ لما يتصل بيوم القيامة، إذن هذه من الرّوايات التي تتنافى مع ما هو المسلم.
الجهة الرّابعة: ألا يكون الحديث منافيًا لروح الكتاب.
كيف يعني منافٍ لروح الكتاب؟ يعني الآن مثلاً: في (كتاب الكافي، الجزء الخامس، صفحة 503، باب من تكره مناكحته) يعني: الزواج منه، رواية أبي الربيع الشامي عن الصادق (عليه السلام)، في ذيل الرواية: "ولا تنكحوا من الأكراد أحدًا (لا تتزوج كردية) فإنّهم جنسٌ من الجنّ كُشَفَ عنهم الغطاءُ" يعني: هؤلاء الأكراد الموجودون في سوريا والعراق وإيران جنٌ فاحذر منهم!
إذن هذه الرّواية عندما يتناولها الفقيهُ، مثلاً كالسيد الشّهيد السّيّد محمّد باقر الصّدر في الجزء السّابع من أصوله يقول: هذه الرّواية تتنافى مع روح الكتاب، يعني: مع روح القرآن الكريم، لِمَ؟ لأنّ القرآن الكريم يقول: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [6] ويقول القرآن الكريم: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [7]، المسألة ليست مسألة قوميّة – كردي أو عربي أو عجمي... – مسألة التقوى، {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} كما ورد عن النبي (ص): "كلكم لآدم، وآدم من ترابٍ، لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى".
هذه الجهات كلها تؤكّد لنا ألا يكون الحديث منافيًا للعقل، بمعنى ألا يتنافى مع العقل البديهي الفطري لا مع الاستحسان، أي شخصٍ تصير في رأسه صورة قال: والله هذا لا يقبله عقلي! أنت هذه الصورة التي في عقلك أو هذا التحليل الذي وقع في عقلك اعرضه على العقلاء، ليس كل استحسان ينقدح في ذهن الإنسان يعتبر قضية عقلية مسلمة وعلى أساسها تُرْفَض الرّواية، لابدّ من أنْ يكون الحكمُ العقليُ حكمًا بديهيًا فطريًا، بمعنى لو عُرِضَ على الناس لقالوا: صدقت، هذا يتنافى مع جميع العقول، وليس له وجهٌ، لا أن يكون استحسانًا شخصيًا.
يعني يأتيك مثلاً بعضٌ من الناس، نحن عندنا رواياتٌ تتحدّث عن التجسيم، تجسيم يعني: تصنع مجسّمًا لذي روح، مجسّم لإنسان أو مجسّم لحيوان، المهم مجسّم لما هو ذو روح، عندنا رواياتٌ تنهى عن ذلك، وبعض العلماء يفتي بالحرمة، أنّ هذا حرامٌ، مثلاً: من الرّوايات عن النبي (صلى الله عليه وآله): "مَنْ صوّر صورة أو مثّل مثالاً أُمِرَ بأنْ ينفخ فيه وليس بنافخ"، بعض العلماء يستفيد من هذه الرّواية حرمة التجسيم, يأتي لك بعض المثقفين ويقول لك: أنا لا أقبل هذه الرواية! لماذا؟! يقول لك: هذه الرّواية تلغي الفن! هذا فنٌ، التجسيم فنٌ، كيف الرّواية تلغي فنًا إنسانيًا جميلاً؟!
طيّب الرواية لم تلغِ الفنَ برأسه، صح أو لا؟! فنّ التمثيل – تمثيل أدوار – لا يوجد فيه إشكالٌ، فن مثلاً الرّسم التشكيلي لا يوجد فيه إشكالٌ، فن مثلاً أنّ الإنسان يصنع فلمًا كرتونيًا من دون تجسيم بيده لا يوجد فيه إشكالٌ، فن أنّ الإنسان مثلاُ يحسّن صوتَه في الأداء والترتيل لا يوجد فيه إشكالٌ، الرواية ألغت ماذا؟ مفردة بسيطة من مفردات الفن ألا وهو تجسيم لذي الرّوح (إذا كان تجسيمًا كاملاً طبعًا)، هذا لا يعني رفض الرّواية لمجرّد أنها خالفت استحسانًا عقليًا.
ولأجل ذلك هنا صحيحة أبي عبيد الحذاء عن الإمام الصّادق (عليه السّلام) يقول: "إنّ أحبّ أصحابي إليّ أورعهم وأفقههم وأكتمهم لحديثنا، وإنّ أسوأهم حالاً عندي وأمقتهم الذي إذا سمع الحديثَ يُنْسَبُ إلينا ويُرْوَى عنا فلم يقبله – يعني: لم يعجب ذوقَه، لم يعجب استحسانَه، ماذا يحدث؟! – اشمأزّ منه وجحده وكفّر من دان به وهو لا يدري لعلّ الحديث من عندنا خرج وإلينا أسْنِدَ، فيكون بذلك خارجًا عن ولايتنا".
إذن نحن بين طرفين، إذا يأتينا حديثٌ لا يجوز لنا تكذيبه، تكذيب الحديث لا يجوز، حتى لو كان ضعيفًا في سنده لعله صدر من الأئمة الطاهرين، وفي نفس الوقت لا يجوز لنا العمل به، لا يجوز تكذيبه ولا يجوز لنا العمل به ما لم تقم حجّة واضحة على العمل به، فإنّ كلا الطرفين: من يكذب الحديث أو من يعمل به كلاهما يحتاج إلى ماذا؟ برهان وحجّة، لا يجوز تكذيبه ولا يجوز العمل به ما لم يقم برهانٌ على ذلك، كلا التصرّفين داخلٌ تحت قوله عزّ وجلّ: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً}, ولذلك ترى علماءنا يتعاملون مع الحديث بأدبٍ دائمًا، لا يقولون: حديثٌ كاذبٌ، يقولون: يُرَدّ علمُه إلى أهله، يعني: لعلّ الحديث صادقٌ وله معنىً آخر لم نصل إليه، وله مفهومٌ آخر لم نصل إليه، يقولون: يُرَدّ علمُه إلى أهله.
إذن الركيزة الأولى في قبول الحديث والآخذ به هي الركيزة العقلانيّة، وقد شرحناها.
الركيزة الثانية: الركيزة السّنديّة.
لا يمكن لنا أن نقبل كل حديث كما يأخذ به الحشويّة، كل حديثٍ نراه في كتاب أو نسمعه من خطيبٍ أو من إمام مسجدٍ نعوّل عليه ونعتبره دليلاً، ليس الأمر كذلك، لابدّ من دراسة سند الحديث، لابدّ من التدقيق في سند الحديث، ولذلك ترى علماءنا الأوائل الذين عاصروا زمان الإمام العسكري وزمان الغيبة الصغرى اهتمّوا بتنقيح رواة الأحاديث والبحث في تراجمهم وسيرهم، كالنجاشي، كابن الغضائري، كالشيخ الطوسي، كالكشي... هؤلاء كتبوا كتبًا في علم الرجال لتنقيح تراجم الرّواة ولمعرفة وثاقتهم من ضعفهم.
نعم تارة يكون الحديث متواترًا، هذا حتى لو كان ضعيفًا ضعفه ليس مهمًا، لماذا؟ لأنه متواترٌ, ما معنى متواتر؟
يعني: رواه عدة رواة، وكل راوٍ له عدة طرق، وكل طريق له عدة كتب، إذا كان عندنا الحديث بهذا الحجم – متعدد الرّواة، متعدد الطرق، متعدد الكتب – بحيث نستكشف أنّ في كل جيل من أمة النبي روى هذا الحديث عددٌ يطمَأنُ بعدم تواطئهم على الكذب، هذا يسمّى حديثًا متواترًا لا مجال لإنكاره، مثل ماذا؟
مثل حديث الغدير، حديث الغدير رواه أكثر من عشرين صحابيًا، وكل صحابي رُوِيَ عنه بعدة طرق، وعدة كتب تعرّضت لهذه الأحاديث، إذا نراجع سلسلة هذه الأحاديث نرى أنّ حديث الغدير في كل مئة سنة منذ يوم الغدير إلى الآن، في كل مئة سنة روى حديثَ الغدير جماعة كثيرة يُطمَأن بعدم تواطئهم على الكذب، فلذلك يقال: حديث الغدير حديث متواترٌ لاشكّ فيه، ولهذا الإخوان أهل السنة لا ينكرون حديث الغدير، إنّما يقولون: لا يدلّ على الإمامة، هو صحيح متواترٌ لكنه لا يدلّ على الإمامة، لا يدل على أن الإمام علي هو الخليفة المباشر وإن كان حديثًا صحيحًا، هم لا ينكرون صحّة صدوره، حديث متواترٌ.
وربما يكون الحديث – حتى لو كان سنده ضعيفًا – متنه يشهد على صدوره, كيف متنه يشهد على صدوره؟
يعني الآن مثلاً تأتي إلى دعاء الصّباح، سُئِلَ الإمامُ الخميني (قدّس سرّه) عن دعاء الصّباح، قيل له: هذا دعاء الصّباح سنده ضعيفٌ, كيف نثبت أنه صدر عن الإمام علي (عليه السّلام)؟! قال: اقرأ الجملة الأولى: "يا من دلّ على ذاته بذاته" دعاء الصّباح هو يدلّ على ذاته بذاته، يعني: هذه المفردات وهذا المتن الموجود في دعاء الصّباح لا يصدر إلا عن أمير المؤمنين (عليه السّلام)، قوّة المتن – قوّة المعنى – لا تصدر إلا عن علي.
وهذا طريقة يستخدمها الآن علماءُ النقد الأدبي الحديث، صاروا يستخدمون هذه الطريقة، مثلاً: إذا شككنا في قصيدةٍ هل أنّها من شعر المتنبي أم لا، يقيسون القصيدة على قصائده الأخرى الثابتة، إذا رأوا أنّ النفس الأدبي واحدٌ يقولون: نعم هذا من شعر المتنبي.
ولذلك ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ينقل عن مصدّق بن شبيب الواسطي، مصدّق بن شبيب أحد علماء أهل السنة قرأ الخطبة الشقشقيّة التي يقول فيها الإمامُ أميرُ المؤمنين عليٌ (عليه السّلام): "لقد تقمّصها ابنُ أبي فلانٍ وهو يعلم أنّ محلي منها محلّ القطب من الرّحى ينحدر عني السّيلُ ولا يرقى إليّ الطيرُ"، قرأها فتعجبّ لأنّ فيها الإمام علي يطعن في الصّميم! فسأل أستاذه (هذا مصدّق بن شبيب يسأل أستاذه عبدالله المعروف بابن الخشّاب)، يقول له: أتقول أنّها منحولةٌ؟! (يعني: تقول الخطبة هذه مكذوبة على الإمام علي؟! موضوعة؟!) أتقول إنّها منحولةٌ؟! قال: لا، إنّني أعلم أنّها منه كما أعلم أنّك أمامي (أنا عندي يقينٌ أنّ هذه صادرة من الإمام علي)، قال: يقولون أنّها من الشّريف الرّضي؟! (الشّريف الرّضي هو الذي اخترع هذه الخطبة وأتى بها مع أنّ هذه مروية قبل أنْ يُولَد الشّريفُ الرضي!)، قال: يقولون أنّها من الشريف؟! قال ابن الخشّاب: أنّى للرضي وغير الرضي هذا النفس وهذا الأسلوب؟! لقد قرأنا رسائلَ الرضي ومنثوره وما هو من هذا الكلام في خلٍ ولا في خمرٍ.
ابن أبي الحديد يعلّق بعد ذلك تحت هذه الواقعة، يقول: ومن تأمّل نهج البلاغة وجد أنّه نفسٌ واحدٌ وماءٌ واحدٌ وأسلوبٌ واحدٌ كالجسم البسيط الذي لا تتبعّض أبعاضه من حيث الماهية بل هو كالقرآن أوّله كوسطه ووسطه كآخره يجري مجرىً واحدًا.
يعني: الإمام علي له نفسٌ واحدٌ لا أنفاس متعددة، هذا النفس الأدبي للإمام علي موجودٌ في خطبته في وصف المتّقين التي لا إشكال في صدورها، وهو – نَفْس النَفَس – موجودٌ في خطبة الشّقشقيّة، النفس واحدٌ.
إذن الرّكيزة السّنديّة تعني ألا نقبل الحديث ما دام ضعيفًا سندًا ما لم يكن متواترًا أو تقم القرينة القطعيّة على صدوره كصحّة متنه، وإلا لابدّ من البحث في سنده، بل أحيانًا قد ننخدع بالسّند، أنت لا يكفي أنْ تفتح كتابَ الحديث وترى الرّواية وتظنّ أن هذا سندٌ متّصلٌ، أحيانًا قد تعتقد أنّ السند متّصلٌ لكنّه في الواقع منقطعٌ, كيف؟
أضرب لك مثالاً: عندنا الآن نحن في كتب الحديث – عندنا نحن الإمامية – أكثر من مئة رواية عن حريز عن أبي عبد الله, حريز أحد الرّواة ينقل عن أبي عبد الله (يعني: الصّادق)، عن حريز عن أبي عبد الله، الإنسان عندما يقرأ السّند يقول: هذا حريز يخبر عن الصادق، يعني: سامع من الصّادق، تلميذ حريز يونس بن عبد الرحمن – هذا تلميذ حريز – ينقل عنه الشيخ الكشي في كتابه (اختيار الرجال) بسندٍ صحيحٍ عن يونس – تلميذ حريز – يقول: إنّ حريزًا لم يسمع من الصّادق إلا روايةً أو روايتين فقط, كيف تجمع بين الأمرين؟! عندك مئة رواية عن حريز عن أبي عبد الله، وعندك تلميذ حريز الذي عاش معه – يونس بن عبد الرحمن – يقول: إنّ حريزًا لم يسمع من الصّادق إلا حديثًا أو حديثين, إذن ما اعتقدنا أنّه سندٌ متّصلٌ تبيّن أنّه سندٌ منقطعٌ، يعني: هناك واسطة بين حريز وبين الإمام الصّادق.
أنا ذات مرة كنتُ أتصفح الإنترنت فرأيتُ شخصًا كتب بحثًا من المثقفين – بعض المثقفين في مجتمعنا – أحضر رواية وقال: لماذا الفقهاء يقولون بوجوب ستر القدمين على المرأة؟! لا، يجوز للمرأة أن تكشف قدميها! كيف؟! قال: أنا رأيتُ روايةً الفقهاء لم يروها! ما هي؟! رواية عن مروك بن عبيد عن أبي عبدالله (عليه السّلام) سأله – الشّيخ الصّدوق في كتابه (من لا يحضره الفقيه) يروي هذه الرّواية – عن مروك بن عبيد عن أبي عبد الله – يعني: الصادق – سُئِلَ عن تفسير الآية: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [8]، قال الصادقُ: "ما ظهر الوجه والكفان والقدمان"، إذن معناه يجوز إبداء القدمين كإبداء الوجه والكفين؛ لأنّ الراوية استثنتهم.
هذا لو عنده فقط قليل من الخبرة لعلم أنّ هذه الرواية رواها الكليني الذي هو قبل الصّدوق, الصدوق جاء بعد الكليني بحسب الزمن، الكليني روى هذه الرواية في كتابه (الكافي)، كيف رواها؟ عن مروك بن عبيد عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله، يعني: هناك واسطة بين مروك وبين أبي عبد الله، وهذه الواسطة مجهولة، لأنّ مروك لم يحدّثنا ما هو هذا الواسطة، قال: عن بعض أصحابنا، ونحن لا نعلم أنّ هذه الواسطة ثقة أم غير ثقة، فلا يمكن الاعتماد على الرّواية لأنّ السند منقطعٌ, إذن ليس كلّ مَنْ قرأ السند اكتشف واقعه، لابدّ من خبرةٍ بكتب الحديث ليُعْرَف أنّ السّند متّصلٌ أو السّند منقطعٌ، هذه الركيزة الثانية.
الركيزة الثالثة: الركيزة المتنية.
الركيزة التي يعبّر عنها علماؤنا بالركيزة المتنية، ركيزة المتن، يعني كيف ركيزة المتن؟! أحيانًا رواية واحدة تراها تُرْوَى بعدة صياغات، يرويها راوٍ بنقيصة ويرويها راوٍ آخر بزيادةٍ، أنت كيف ترجّح الزّيادة على النّقيصة؟!
 مثلاً: عندنا هذه الرّواية المشهورة – ربما سمعتموها من كثير من الخطباء والعلماء – رواية "لا ضرر ولا ضرار"، رواية "لا ضرر ولا ضرار": كان لسمر بن جندب – أحد الصحابة – عذقٌ (يعني: نخلة) في بيت أحد الأنصار، يعني: في وسط (الحوش)، البيت ملكٌ لشخصٍ والنخلة التي في وسط (الحوش) ملكٌ لشخصٍ آهر الذي هو سمر بن جندب, طبعًا نحن عندنا مبنىً في الفقه الإسلامي: من ملك شيئًا ملك حقّ الاستطراق إليه، إذا أنت باب بيتك هنا إذن تملك الطريق إلى باب بيتك، من ملك شيئًا ملك حقّ الاستطراق إليه، وإلا كيف تدخل إلى بيتك؟! أتدخل إليه بالطائرة؟! طبعًا ما يصير، إذن إذا ملكتَ بيتًا لابدّ أن تملك حقّ الدّخول إلى بيتك من طريق معيّنٍ.
هذا سمرة تمسّك بهذه النقطة، قال: أنا أملك نخلة، وهذه النخلة في بيت أحد الأنصار، إذن أنا أملك حقّ الدخول إلى نخلتي، صار يأتي ويفتح الباب ويدخل، ما عندك؟! سآخذ كم رطبة وسأخرج! كلما قيل له: يا هذا إذا أنت تريد أن تدخل فنحن لا نمنعك عن نخلتك لكن استأذن، اطرق الباب فإنّ في البيت نساءً، اطرق الباب، قال: لا أستأذن في الدّخول على ملكي! هذا ملكي فكيف أستأذن؟! للجمع بين الحقين: أنت من حقك أن تدخل، ومن حقّ العِرْض أن يكون مستورًا، فلأجل الجمع بين الحقّين عليك الاستئذان, قال: أنا لا أستأذن في الدخول على ملكي.
شكا الأنصاري إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، النبي استدعاه، قال: يا سمرة إذا أردتَ الدّخول على بيت الأنصاري فاطرق الباب (فاستأذن)، قال: لا أستأذن! أنا لا أستأذن في الدّخول على ملكي! مرةً، مرتين... بعد ذلك الرّسول دعاه، قال: يا سمرة دع هذه النخلة للأنصاري وأنا أعطيك مكانها عذقًا أفضل منها، قال له: لا، أنا أريد هذا العذق! قال: أنا أعطيك مكانها عشرَ نخيلات، ماذا تريد بعد؟! قال: لا، ما يصير! إلا هذه، أنا أريد هذه النخلة! قال: يا سمرة دعها للأنصاري وأنا أعطيك عذقًا في الجنة، أيوجد أعظم من هذا؟! إذا كنت ستحصل على نخلة في الجنة فإذن أنت من أهل الجنة، طبعًا ما يصير تقعد في النار ويأتوا لك بالرطب جاهزًا!! إذن بالنتيجة: إذا ملكتَ النخلة دخلتَ الجنة، أيوجد أعظم من هذا؟! قال: لا أريد! أنا لا أريد إلا هذه النخلة! فقال النبي (صلى الله عليه وآله) للأنصاري: "اذهب فاقلعها وارمِ بها في وجهه فإنّه رجلٌ مضار ولا ضرر ولا ضرار".
هذه الرواية صحيحة، لكن المشكلة في الزيادة، عبد الله بن بكير روى الرواية: "لا ضرر ولا ضرار" بدون زيادة، لكنّ رواها ابنُ مسكان بالزيادة: "فإنّه لا ضرر ولا ضرار على مؤمنٍ"، من هنا اختلف علماؤنا: الزيادة هذه ثابتة أم غير ثابتة، وهنا لديهم بحوثٌ: إذا دار الأمرُ بين النقيصة والزيادة فأيّهما الأصل: هل الأصل في الرّواي أن ينقص أو الأصل في الرّواي أن يزيد؟ بحثٌ حول ترجيح الزيادة على النقيصة أو العكس، إذن هذا يسمّى بالبحث المتني للرّواية.
من هنا نرجع إلى رواية الوصيّة التي استند إليها بعضُ الفرق الباطلة الظاهرة الآن في العراق، وهي رواية الوصيّة: أنّ النبي ليلة وفاته أوصى وقال: "يكون بعدي اثنا عشر إمامًا بعدهم اثنا عشر مهديًا"، نحن ليس عندنا مشكلة في رواية الوصية، النبي أوصى، لكن هذه الزيادة موجودة أم لا؟ "بعدهم اثنا عشر مهديًا" هذه الزيادة موجودة في رواية الوصية أم لا؟! هذه المشكلة، وإلا أصل الوصيّة فطبعًا النبي أوصى كما يوصي سائرُ الأنبياء، وذكر الأئمة المعروفين في جميع الروايات والأحاديث، ليس مشكلة، المشكلة في هذه الزيادة.
لذلك إذا اطلعت على الروايات في الكتب المعنية تجد أنّ الروايات تنقل هذه الوصية لكن لا تنقلها مع هذه الزيادة، فعندما تأخذ رواية واحدة تتضمّن الزيادة من دون أن يكون لك دليلٌ وبرهانٌ علميٌ على ثبوت هذه الزيادة يعدّ ذلك قفوًا بغير علم {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً}.
الركيزة الأخيرة: الركيزة الدلالية.
المقصود بالركيزة الدلالية أنّه لا يجوز لنا العمل بالحديث حتى نحدّد مفاد الحديث، ما معنى هذا الحديث، ويكون مفاده متطابقًا مع الفهم العربي العرفي العام، يعني الآن مثلاً: الرواية التي نحن قرأناها: رواية "لا ضرر ولا ضرار" لاحظ علماءَنا يدققون في كلمة واحدة صغيرة: (لا ضرر) ما هو معناها؟ علماؤنا هنا على ثلاثة اتجاهات:
1/ قسمٌ يقول: هذه الـ(لا) "لا ضرر" هذه تسمّى (لا) الناهية، يعني: مفاد هذه الرواية حرمة أن يضرّ الإنسانُ بنفسه أو بغيره، "لا ضرر ولا ضرار" يعني: يحرم عليكم أن تضروا بأنفسكم أو تضروا بغيركم، فـ(لا) هنا (لا) ناهية، نظيرٌ قوله عزّ وجلّ: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [9] هذه (لا) ناهية، يعني: من أحرم للحج لا يجوز له لا الرفث ولا الفسوق ولا الجدال، هذه تسمّى (لا) ناهية، تنهى، تحرّم، هذا قسمٌ من العلماء.
2/ قسمٌ آخر من العلماء (كالسّيّد الخوئي قدّس سرّه) يقول: هذه (لا) نافية لا ناهية، تنفي الصحة لا أنّها تحرّم، مثل ماذا؟ مثل الآن ما ورد عن الأئمة الطاهرين (عليهم السلام): "لا صلاة إلا بطهور"، ما هو معنى "لا صلاة إلا بطهور"؟ يعني: لا تصحّ الصّلاة بدون طهور، لو صلّى شخصٌ بدون طهور فإنّه لم يرتكب حرامًا، لو واحد قال: أنا سأصلي بدون طهارة، هو لم يرتكب عملاً محرمًا لكن صلاته غير صحيحة، هذه تسمّى (لا) نافية وليست (لا) ناهية؛ لأنّها تنفي الصحة لا أنها تنهى أو تحرّم، مثل أن يقول الإمام (عليه السلام): لا طلاق إلا بشاهدين، لا طلاق إلا بشاهدين يعني: لا يصحّ الطلاق إلا بشاهدين، لو أنّ شخصًا طلّق بدون شاهدين فإنّه لم يرتكب عملاً محرّمًا لكنّ طلاقه طلاقٌ غير صحيح، فهي تنفي لا تنهى، إذن "لا ضرر ولا ضرار" ينفي، يعني: يقول: لا يوجد حكمٌ ضرريٌ، أي حكم ضرري ليس موجودًا.
أضرب لك مثالاً: مثلاً الآن الصوم – صوم شهر رمضان – واجبٌ، لكن لو كان مضرًا يرتفع الوجوب، "لا ضرر" يعني: لا حكم ضرري، لو كان وجوب الصوم وجوبًا ضروريًا يرتفع، وجوب الوضوء، لو كان الوضوء ضرريًا، لو كان الماء باردًا وكان استعماله مضرًا بالإنسان يرتفع عنه وجوب الوضوء وتكون وظيفته التيمّم، هذه تسمّى (لا) نافية، يعني: لا يوجد حكمٌ ضرريٌ.
3/ بينما عندنا اتجاهٌ ثالث في فهم الرّواية: ما ذهب إليه الإمام الخميني (قدّس سرّه) أنّ الرواية لا تتحدّث عن حكم شرعي لا بالنهي ولا بالنفي، إذن؟ يقول: الرواية متعلقة بالحكم السلطاني – كما يعبّر عنه – يعني: متعرّضة لحكم ولايتي صدر من النبي (صلى الله عليه وآله) لا بما هو مشرّعٌ، صدر عنه بما أنّه رئيس دولةٍ، بما أنّه ولي الأمر، هذا حكمٌ ولايتيٌ، ولذلك قال النبي في ذيل الرواية: "اذهب فاقلعها" يعني: أنا كحاكم – كرئيس دولة – أرى وجود هذه النخلة ضررًا، أرى وجود هذه النخلة منشأ للمفسدة، إذن مقتضى صلاحيتي وولايتي كرئيس دولةٍ أن آمر بقلعها، فأمر، قال: "اذهب فاقلعها وارمِ بها في وجهه فإنّه لا ضرر ولا ضرار"، إذن "لا ضرر" حكمٌ قضائيٌ ولايتيٌ صدر من النبي بما هو ولي الأمر ورئيس دولة وليس حكمًا شرعيًا.
هذه الاتجاهات في تحليل مفاد الروايات تحتاج إلى تضلّع في العلوم العربية والعلوم الأدبيّة ومعرفة طرق تشخيص الظهور العربي والفهم العرفي العربي العام ليعتمد عليه في مقام العمل بالرواية والأخذ بالرواية، إذن لابدّ من تحليل مفاد الحديث قبل الأخذ به.
لأجل ذلك ترى عندنا بعض الإخوة يعتمد على هذه الرّواية (كمثالٍ أضربها): ورد عن النبي محمّدٍ (صلى الله عليه وآله): "من رآني في المنام فقد رآني، فإنّ الشّيطان لا يتمثّل بصورتي ولا بصورة أحدٍ من أوليائي"، يعتمد على هذه الرّواية، يقول: الذي يرى النبي في المنام فقد رآه والذي يأمره النبيُ بشيءٍ فإنّه صحيحٌ لأنّه رأى النبي! الذي يقوله فإنّه صحيحٌ! وهذا مشكلة، هذا بابٌ خطيرٌ جدًا، لماذا باب خطير؟
أوّلاً: لأنّ هذه الرّواية تقابلها روايات صحيحة تقسّم الرّؤيا إلى ثلاثة أقسام، عندنا صحيحة سعد بن خلف عن الصّادق (عليه السّلام): "الرّؤيا ثلاثة أقسام: بشارة من الله للمؤمن، وتحذيرٌ من الشّيطان، وأضغاث أحلام"، بعض الرؤى أضغاث أحلام، أنت تشرب لك طاسة دهن وتنام، ماذا سترى يعني؟! أو ترى على جنابة، أو تنام بين الطلوعين، هذا وضعٌ يقتضي أنّ ما تراه ماذا؟! أضغاث أحلام، إذن قسمٌ من الرّؤى لا قيمة له، إنّما هو أضغاث أحلام، فكيف نبني على أنّ كل رؤيا اشتملت على اعتقادٍ بأنّ المرئي هو النبي فهي رؤيا صحيحة؟! من أين؟! هذا أوّلاً.
ثانيًا: الدّين لا يُؤخذ من الرّؤى، هذا الدّين العظيم الذي ثبت عندنا بالأدلة والبراهين العقليّة نأخذه من الأحلام والرّؤى؟! إذن القضيّة خطيرة، ولذلك عندنا صحيحة عمر بن أذينة عن الصّادق (عليه السّلام)، يقول له الصّادقُ (عليه السّلام): ما تقول هذه الناصبة؟! قال: في أي جهةٍ؟ قال: في أذانهم وركوعهم وسجودهم، قلتُ: يقولون: إنّ أبيّ بن كعب رأى في المنام أنّ الأذان بهذه الصّورة، قال: "إنّ دين الله أعزّ من أنْ يُرَى في المنام"، يعني نحن نأخذ ديننا من رؤيا رآها أبيّ بن كعب؟! ما هذا الدّين؟! "إنّ دين الله أعزّ من أنْ يُرَى في المنام".
وإلا إذا نحن سنمشي على الرّؤيا وأنّها طريقٌ فافترض أنّ شخصًا قُتِلَ أخوه، ولا يدري من هو القاتل، رأى في النوم شخصًا قال له: الخبر عندي، القاتل هو فلان، يعني يجوز له في اليوم التالي عندما يستيقظ أن يذهب ويصفّيه لأنّه رأى في الرّؤيا أنّ القاتل فلانٌ؟! أو القاضي مثلاً اختلف عنده شخصان: زيدٌ وبكرٌ، اختلفا في ماذا؟ اختلفا في أرض، عمارة، هذا يقول: لزيد، هذا يقول: لبكر، القاضي ليس عنده أية بيّنة على أحدهما، لكن في النوم رأى القاضي رجلاً يخبره أنّ العمارة لزيد، يعني يجوز له عندما يستيقظ من النوم أن يحكم بأنّها لزيد اعتمادًا على الرؤيا؟! هذه مشكلة، "إنّ دين الله أعزّ من أنْ يُرَى في المنام".
وثالثًا: كيف نعرف أنّه رأى النبي؟! كيف يعني؟! والله يقول لك: أنا رأيتُ النبي! لكن أنت ما أدراك أنّك رأيت النبي؟! هو صحيحٌ الحديث يقول: "من رآني"، لابدّ أن تثبّت أنّك رأيته حتى يثبت أنّك التقيت بروحه، الحديث يقول: "من رآني" يعني: من رآني واقعًا فقد التقى بروحي، ما التقى بها في اليقظة، التقى بها في المنام، لكن ثبّت أنّك رأيت النبي، كيف تثبت أنّ الذي رأيته هو النبي؟!
يعني أنا الآن لأنّني أعرف صورتك، افترض أنّ صورتك عندي في ذهني، وأعرف اسمك، أنت فلان اسمك مثلاً: حسين بن علي، وصورتك أنا أعرفها، رأيتُ شخصًا في المنام قال: أنا حسين بن علي، أقول له: لا، لِمَ؟ لأنّ حسينًا بن علي أعرفه وأعرف صورته، أستطيع أن أثبت أنّ هذه الصّورة التي رأيتُها في المنام هي صورة حسين أم لا، لأنّني أعرف مسبقًا ما هي صورة الحسين، صح أو لا؟!
لو أنّ شخصًا عاشر النبي في حياته وحفظ صورته ثم رأى شخصًا في المنام بتلك الصّورة يستطيع أن يقول: هذا هو النبي، لِمَ؟ لأنّ الصّورة التي رأيتها في المنام متطابقة مع الصّورة التي أعرفها للنبي (صلى الله عليه وآله)، هنا ينطبق عليه الحديثُ: "من رآني" لأنّه رآني بصورتي، "من رآني فقد رآني فإنّ الشّيطان لا يتمثّل بصورتي".
أمّا إذا أنا لا أعرف صورة النبي فكيف أثبت أنّ هذه الصّورة التي رأيتُها في المنام هي صورة النبي؟! إذن "من رآني فقد رآني" يعني: من رأى صورتي الحقيقيّة في المنام فقد تشرّف بلقاء روحي، وأنت لا تستطيع، الشّخص الذي لم يرَ النبي لا يستطيع أن يثبت أنّ هذه صورة النبي الحقيقيّة، إلا إذا أخبره هذا الذي في النوم، قال له: أنا هو النبي! لكن ما الدّليل على أنّه صادقٌ؟! الذي قال لك: أنا النبي، في النوم ما هو الدّليل على أنّه صادقٌ؟! كيف تثبت لنا أنّ هذا الشّخص الذي أخبرك في النوم أنّه هو النبي رجلٌ صادقٌ حتى يعتمد عليه؟! كيف؟! والحال بأنّ الكشّي في كتابه (اختيار الرّجال) ذكر عدّة روايات عن الصّادق والباقر أنّ الشّيطان قد يخدع المؤمنَ فيتصوّر له في المنام بصورٍ متعدّدةٍ، إذن هذا الحديث "من رآني فقد رآني" إنّما ينطبق على من رأى الصّورة الحقيقيّة للنبي، نعم من رأى الصّورة الحقيقيّة للنبي في المنام نعم هذا الشّخص تشرّف بلقاء النبي محمّدٍ (صلى الله عليه وآله).
والذي نريد أن نخلص إليه بالنتيجة: أنّه لابدّ من التّدقيق في هذه الرّكائز الأربع من أجل العمل بالحديث، ولا يكفي أنّنا نرى أيّ حديثٍ لنأخذ به، العلماء يدقّقون في الرّوايات.
أضرب لك مثالاً: نحن سمعنا رواية البارحة ليلة العاشر، وسمعنا رواية عن أحداث اليوم يوم عاشر، صح؟! ما الرّوايتان؟! رواية أحداث ليلة العاشر أنّ الإمام زين العابدين عليًا (عليه السّلام) يقول: كنتُ مع عمّتي زينب تمرّضني وسمعتُ أبي الحسين يأنّ، وخرجت زينب إلى أبي الحسين وقالت ما قالت، وصارت تحثو الترابَ على رأسها، هذه رواية، رواية أخرى عن أحداث يوم عاشر: أنّ الشّمر لمّا أراد قتل الإمام الحسين كانت زينب إلى جانب جسد الحسين، وأنّه ضربها إلى أنْ غُشِيَ عليها.
هاتان الرّوايتان اللتان تتحدّثنان عن زينب عندنا المحقّق التستري – من أكابر المحقّقين من علمائنا – يقول: هذه زينب التي ليلة العاشر حثت التراب على رأسها، ويوم العاشر كانت إلى جانب الجسد الشريف ليست زينب العقيلة، الإمام علي له ثلاث زينب: زينب الكبرى، وهي زينب بنت فاطمة وبنت علي، هذه هي زينب العقيلة زوجة عبد الله بن جعفر، قدّمت أولادها شهداء في يوم كربلاء، وعندنا زينب الوسطى المكنّاة بأمّ كلثوم، اسمها زينب، كنيتها أمّ كلثوم، هذه زوجة مسلم بن عقيل، وقدمت بعضَ أبنائها شهداء يوم كربلاء.
يقول: هناك خلطٌ عند الرّواة بين زينب الكبرى وزينب الوسطى، هم يعبّرون بزينب، لكنّ المقصود أحيانًا زينب الكبرى، والمقصود أحيانًا زينب الوسطى، يقول: في هاتين الروايتين ليست هي زينب العقيلة، لماذا؟ يقول: زينب العقيلة وعاء العلم، زينب العقيلة هي وعاء العلم، هي شريكة الحسين في حركته، قال عنها الإمام السجّاد: "أنتِ بحمد الله عالمة غير معلّمة"، أنتِ وعاء أصلاً للعلم، "عالمة غير معلمّة وفاهمة غير مفهّمة".
يقول: هذه المرأة العظيمة التي هي وعاء العلم لا يحتمل في حقها أنّها تحثو التّراب على رأسها ليلة العاشر، أو تولول أو تعول، هذا لا يحتمل في حقّ العقيلة نفسها، هذا في حقّ أختها نعم، أمّا العقيلة التي هي وعاء العلم لا، ما يصير، أو مثلاً حدث يوم العاشر، معروفٌ عندنا نحن في الرّوايات أنّ زينب العقيلة كانت مسؤولةً عن المخيّم كله، هي المسؤول الأوّل الذي يرقب كلّ حركةٍ في المخيّم، بمجرّد أنّ الحسين ذهب إلى المعركة صار المسؤول الأوّل مَنْ؟! زينب العقيلة، لم تخرج من الخيام إلا بعد أن أخبرها السجّاد بقتل الحسين، ما خرجت من المخيّم، فإذن من خرج من الخيمة وكان موجودًا عند جسد الحسين لعلّه زينب الصّغرى أو الوسطى، أمّا زينب العقيلة فكانت هي الحامي وهي الرّاعي وهي الحافظ للجميع، لذلك قد يختلط عندنا اسم زينب ما هو المقصود والمشار إليه بهذا الاسم الشّريف، زينب العقيلة العظيمة وعاء العلم وعاء المعرفة بطلة كربلاء ما خرجت من الخيمة.
الرّواية تقول: لمّا قتل الحسين هبّت ريحٌ سوداءُ، وأمطرت السّماءُ دمًا عبيطًا، فرأت زينبُ العقيلة الجوَ متغيّرًا فتنبّأت بالحدث، أقبلت إلى ابن أخيها الإمام السجّاد، قالت: يا ابن أخي أرى الكون تغيّر علينا وحدّثني قلبي بسوء، قال لها: عمّه زينب ارفعي طرف الخيمة، رفعت طرف الخيمة، فنظر إلى الكون مغبرًا، قال: "يا أرض قرّي ويا سماء استقرّي أنا حجّة الله على خلقه"، ثم التفت إليها، قال: عمّه زينب عظّم الله لك الأجر، أحسن الله لك العزا، فلقد قُتِلَ والدي الحسينُ...
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمّدٍ وآله الطيبين الطاهرين


[1]الإسراء : 36.
[2]الزخرف : 44.
[3]الماعون : 4 – 5.
[4]ص : 82 – 83.
[5]الحجر : 42.
[6]الإسراء : 70.
[7]الحجرات : 13.
[8]النور : 31.
[9]البقرة : 197.
المرسل: الثلاثاء, 15 كانون2/يناير 2013