Fri20191122


الموطنة تعني الكرامة

السيد منير الخباز

عدد التحميلات
1177
كود المدونة او الموقع
لإضافة مقطع الموطنة تعني الكرامة بصوت السيد منير الخباز في موقعك او مدونتك انسخ الكد التالي :
30 × 300
30 × 450
30 × 600
30 × 1000
عرف
:طول
px
:عرض
px
الموطنة تعني الكرامة - السيد منير الخباز
تاريخ الاضافة
2011-12-10 09:29:03
عدد الاستماعات
150
المدة
01:03:35
عدد التحميلات
1177
نص هذا المقطع
الليلة الثامنة: المواطنة تعنى الكرامة
أعوذ بالله من الشيطان الغوي الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ} [1]
آمنا بالله صدق الله العلي العظيم
انطلاقًا من الآية المباركة نتحدّث عن المواطنة، وذلك من خلال مجموعةٍ من الأسئلة نطرحها ونجيب عليها:
1- ما هو تعريف المواطنة؟
2- وما هو سرّ الحنين الغريزي إلى الوطن؟
3- وهل هناك حاجة ذاتيّة في الإنسان إلى وجود وطنٍ؟
4- وهل أنّ ولاء تراب الوطن ولاءٌ مقدّسٌ؟
5- وما هي حقوق ميثاق المواطنة؟
السّؤال الأول: ما هو تعريف الوطن؟
الوطن بحسب اللغة والعرف هو المكان الذي يقيم فيه الإنسانُ ويصبح مقرًا لسكناه، والفقهاء قسّموا الوطن إلى: وطن عرفي، ووطن شرعي، وقسّموا الوطنَ العرفي أيضًا إلى قسمَيْن: وطنٍ أصلي، ووطنٍ جعلي.
1- الوطن الأصلي: هو مسقط رأس الإنسان أو مكان وجود أسرته، فهذا الوطن الأصلي يتم فيه الإنسانُ صلاته ويصوم فيه، إلا أن يُعْرِضَ عنه و يتخذ وطنًا آخر.
2- الوطن الجعلي: هو ما يتخذه الإنسانُ مقرًا لإقامته وإن لم يولد فيه ولم يكن محطًا لأسرته، لكنّه يتخذه مقرًا لإقامته ولو مدة معينة، مثلاً: من يسافر لأجل الدراسة ويسكن في بلدٍ سنينَ عديدة يُعْتَبَرُ ذلك المكان وطنًا ثانيًا له، فمتى ما دخله يتمّ فيه ويصوم فيه، إلا أنْ تنقضي مدة عمله فتنقطع علاقته به.
والقسم الثاني: الوطن الشّرعي.
وهذا محل خلافٍ بين الفقهاء، بعض الفقهاء يراه وبعض الفقهاء لا يراه، ممّن يرى الوطن الشرعي سيّدنا الخوئي (قدّس سرّه) اعتمادًا على صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع، قال: سألتُ أبا الحسن (عليه السّلام) عن الرجل تكون له ضيعة – ضيعة يعني: مزرعة – يقصّر فيها؟ (يعني: إذا ذهب إلى مزرعته ومزرعته خارج بلده، إذا ذهب إلى مزرعته يقصّر فيها؟) قال: "لا بأس بذلك ما لم ينوِ مقام عشرة أيام، إلاّ أن يكون له فيه منزلٌ يستوطنه"، قلتُ: ما الاستيطان؟ قال: "أنْ يكونَ له فيها منزلٌ يقيم فيه ستة أشهر، فإذا كان كذلك يتم فيها متى دخلها".
فهنا أفتى مثل السّيّد الخوئي ومَنْ يرى تماميّة دلالة الرّواية أنّ مَنْ ملك منزلاً في أي مكان وأقام فيه ستة أشهر يُعْتَبَرُ المنزلُ وطنًا متى ما دخله أتم ولو لم يقم عشرة أيام.
إذن هذا هو مفهوم الوطن بحسب اللغة وبحسب المصطلح العرفي والشّرعي.
السّؤال الثاني: ما هو سرّ الحنين إلى الوطن؟
مِنَ الملاحَظ أنّ الإنسان بفطرته وغريزته يحنّ إلى وطنه، ويحنّ إلى التربة التي وُلِدَ فيها و درج فيها، حتى لو كان وطنه صحراءَ قاحلة، حتى لو كان وطنه سيّء المناخ وسيّء الجو، مع ذلك هو يحنّ إلى وطنه ويعشق وطنه، وقد تغنّى الشعراءُ بحبّ الوطن، وقال بعضُهم:
أحبُ بلادِ الله ما بين منعجٍ إليّ                       وسلمى  أنْ   يصوبَ  سحابُها
بلادٌ  بها  نيطتْ  عليّ  تمائمي                       وأوّل أرضٍ مسّ جلدي ترابُها
وقال شاعرٌ آخر:
وكنّا     ألفناها    ولم     تك     مألفًا                         وقد يؤلف الشّيءُ  الذي ليس بالحسنْ
وقد تؤلف الأرض التي لم يطب بها              هواءٌ   ولا     ماءٌ     ولكنّها   وطنْ
إذا كانت التربة وطنًا ألفها الإنسانُ حتى لو لم يطب هواؤها ولم يطب ماؤها، ما هو سرّ الحنين إلى الوطن؟ لماذا الإنسان يحنّ إلى الوطن مع أنّه ترابٌ مثل باقي التراب؟!
هنا نذكر نقطة فلسفية تتعلق بالارتباط الوجداني بين الإنسان وبين التربة:
الفلاسفة يقولون: شخصية الإنسان تتكون من أربع مفردات:
1- روح.
2- ونفس.
3- وعقل.
4- وقلب.
كل مفردة تختلف عن المفردة الأخرى.
1- الروح: هي المفردة الأولى، الرّوح جوهرٌ مجرّدٌ، يعني أنّ الروح خلقت نورًا مجردًا عن المادة، لا كتلة فيها ولا أبعاد فيها، وهذه الرّوح كانت نوًرا يسبّح الله ويشاهد ملكوتَه وجمالَه وجلالَه قبل أنْ يطأ الإنسانُ هذه الأرض، وهو المسمّى بـ(عالم الذر)، عندما كان الإنسانُ في عالم الذرّ كان نورًا يشاهد ملكوت الله وجلاله وجماله، ولم يكن مادة ولا كتلة ولا أبعادًا، كان نورًا مجرّدًا، ولأجل أنّ الروح كانت نورًا مجردًا عبّر عنها القرآن الكريم بعالم الأمر؛ لأن القرآن الكريم يقسّم العالم إلى عالم خلق، وعالم أمر.
1. عالم الخلق: هو عالم المادة التي هي كتلة ذات أبعاد.
2. عالم الأمر: هو النور المجرّد عن المادة، قال تبارك وتعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ } [2]يعني هناك عالم خلق وعالم أمر، الروح قبل أن يطأ الإنسان هذه الأرض كانت من عالم الأمر، يعني كانت نورًا مجردًا، ولذلك يقول القرآن الكريم: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [3]، يعني: من عالم الأمر، وليست كالجسم الذي هو من عالم الخلق، بعد أنْ نزل الإنسانُ إلى عالم المادة... كيف ينزل الإنسان إلى عالم المادة؟
ينزل عبر نطفةٍ صغيرةٍ، هذه النطفة الصغيرة تبدأ بتكوين مفردة ثانية نسمّيها:
2- النفس: فالنفس غير الرّوح، الرّوح هي نورٌ مجرّدٌ، النفس هي التي تتكوّن من خلال المادة، من خلال النطقة، كيف؟
هذا ما يعبّر عنه الفلاسفة بأن النفس شعاعٌ متحركٌ بحركة المادة حركة جوهرية، يعني: هذه النطفة تتحرك وتنمو، بنمو النطفة وبحركتها تتكوّن النفس، فالنفس شعاعٌ يتحرك بحركة المادة وينمو بنموها، يقول القرآن الكريم: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا – تحرّك من عالم نباتي (وهو عالم النمو) إلى عالم حيواني (وهو عالم الإحساس) إلى عالم عقلاني (وهو عالم الإدراك) – ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [4].
فالإنسان نفسٌ، وهذه النفس امتدادٌ للرّوح لكنها غير الروح؛ لأنّ الرّوح نورٌ مجرّدٌ والنفس مرتبطة بالمادة ارتباطًا جوهريًا لأنّها متحرّكة بحركتها، لأجل ذلك هذه النفس إذا وصل الإنسانُ إلى درجة الإدراك انقسمت النفس إلى قوّتين: قوة فاعلة، وقوة منفعلة.
1. القوة الفاعلة: هي التي تسمّى بالعقل، العقل لا ينفعل، العقل يفعل، يستنتج، يجمع المعلوماتِ، يتحرّك من المعلومات إلى المجهولات، هذه القوة الفاعلة تسمّى عقلاً، قبل أنْ يأتي عالم المادة لم يكن له عقلٌ، كان مجرّد نورٍ مجرّدٍ، العقل هو قوّة من قوى النفس، والنفس ما نشأ عن المادة.
2- القوة المنفعلة: هي قوة القلب، القلب غير العقل، {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [5]، {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} [6]، القلب هو قوة الانفعال، يفرح، يحزن، يشكّ، يتيّقن، يحبّ، يبغض... هذه الانفعالات وعاؤها قوّة القلب.
وإذا الإنسان فارق الحياة يرجع إلى الرّوح، ويتخلى عن النّفس، ويتخلى عن العقل، ويتخلى عن القلب، ويرجع لما كان قبل نزوله إلى عالم المادة، ويصبح نورًا مجردًا، إمّا أنْ يعيش في نعيم أو يعيش في جحيم بحسب أعماله السابقة.
النفس لأنّها تتحرّك بحركة المادة لأجل ذلك النّفس لها ارتباط جوهريٌ بالمادة، ونتيجة هذا الارتباط الجوهري ترى الإنسان يحن إلى أمّه، لِمَ؟ لأنّ هذا البدن هو الذي احتضنه، وهو الذي احتواه، وهو الذي نشأ فيه، فهو يحن إلى أمّه حنينًا جوهريًّا وجدانيًّا، لأنّ نفسه تكوّنت في هذا البدن وفي هذه المادة ألا وهي الأم.
ويحنّ إلى التربة التي وُلِدَ فيها وحبى عليها ودرج عليها لأنه على هذه التربة تكوّنت نفسُه، فإنّ نفس الطفل أيضًا تنمو، كما أنّ نفس الجنين تنمو حتى تصل إلى درجة الإدراك نفس الطفل تنمو حتى تصل إلى درجة النّضج العقلي والنّضج الفكري، فكما أنّ النفس لها حنينٌ نحو جسم الأم لأنّه الجسم الذي احتضن النفسَ، لها حنينٌ نحو التربة التي نشأت فيها تولدًا ونموًا لأنّ فيها تكوّنت هذه النفس ونمت، هذا هو سرّ حنين الإنسان إلى وطنه.
السؤال الثالث: هل يحتاج الإنسان إلى وطن حاجة أساسية أم لا؟
لو عاش الإنسان مشرّدًا من بلدٍ إلى بلدٍ ومن أفقٍ إلى أفقٍ من دون أن يسكن وطنًا هل يعيش نقصًا؟ هل يشعر أنه يفقد حاجة أساسية من حاجات شخصيته ومن حاجات إنسانيّته أم لا؟
نقول: نعم، الإنسان يحتاج إلى وطنٍ حاجة أساسية كحاجته إلى الطعام، كحاجته إلى الغذاء، هذا ما يركّز عليه علماءُ النفس الاجتماعي، في علم النفس الاجتماعي يبحثون هذه النقطة، حاجة الإنسان إلى الوطن هي حاجته إلى الهوية، إنسانٌ بدون هويّة إنسانٌ ناقصٌ، حاجة الإنسان إلى الوطن هي حاجته إلى الهوية، ما هي حاجة الإنسان إلى الهوية؟
حاجة الإنسان إلى الهوية لها منطلقات ثلاث:
المنطلق الأول: الإنسان يحتاج إلى الأمن النفسي.
الإنسان الذي يعيش قلقًا وخوفًا لا يمكن أن يعطي، لا يمكن أن ينتج، فلكَي ينتج ويعطي هو محتاجٌ إلى الأمن النفسي، والأمن النفسي يوفّره هوية الإنسان، من امتلك هوية امتلك أمنًا واستقرارًا نفسيًا، لذلك حاجة الإنسان إلى الوطن لأنّه محتاجٌ إلى الأمن النفسي والاستقرار الدّاخلي، والاستقرار النفسي يوفره شعورُ الإنسان بأنّ له هوية ووطنًا ينتمي إليه، هذا المنطلق الأول.
المنطلق الثاني: حاجة الإنسان إلى التقدير الاجتماعي.
كيف يعني حاجة الإنسان إلى التقدير الاجتماعي؟ إذا قرأنا قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [7] ما هو معنى الآية؟ يقول جملة من المفسّرين: معنى الآية أنّ الله إنّما قسّم الناس شعوبًا وقبائلَ لكي يشعر الإنسان بموقعيّته في المجتمع البشري، كيف يشعر بموقعيته؟
الإنسان إذا انتمى لشعب – قال: أنا من شعب فلان، أنا من قبيلة فلان، أنا من الأسرة الفلانيّة... – إذا انتمى لقبيلة أو شعب أو أسرة شعوره بالانتماء يعطيه شعورًا بأنّ له موقعيّة في المجتمع البشري، فالإنسان الذي لا نسب له ولا أسرة له أو لا قبيلة له يشعر بنقصٍ لأنه يفقد الانتماء، شعور الإنسان بالانتماء يغذيه بالإحساس بالموقعيّة، وإذا أحسّ أنّ له موقعيّة شعر بالافتخار والاعتزاز والتقدير الاجتماعي، إذن كما أنّ الانتماء إلى القبيلة يغذي الإنسان بالشعور بالفخر والاعتزاز الانتماء إلى وطنٍ يغذّي في الإنسان الشّعور بالفخر والاعتزاز وأنّ له موقعيّة من بين هذا المجتمع كله، وهي موقعيته بوطنه الذي ينتمي إليه.
المنطلق الثالث: حاجة الإنسان إلى الوطن هي حاجته إلى العطاء.
لا يوجد إنسانٌ ليس عنده طاقة، كلّ إنسانٍ عنده طاقه، حتى هذا الذي تراه إنسانًا ضعيفًا مشلولاً هو عنده طاقة، لا يوجد إنسانٌ ليس عنده طاقة، هناك من يمتلك مهارة في الفن، هناك من يمتلك مهارة في الإدارة، هناك من يمتلك مهارة في التخطيط، هناك من يمتلك مهارة في الأدب، هناك من يمتلك مهارة في الرّياضيات، وهكذا... كل إنسانٍ له مهارة، كلّ إنسانٍ له طاقاتٌ مكنونة وملكاتٌ مدفونة في داخل ذاته.
ما لم يفرغ الإنسان طاقاتِه، ما لم يفرغ الإنسان ملكاتِه، يشعر بالنقص، ويشعر بالضّيق، ويشعر بالاختناق، فالإنسان محتاجٌ إلى مكان يفرّغ فيه طاقاتِه ويبرز فيه ملكاتِه، وذلك المكان هو الوطن، فالوطن المكان الذي تبرز فيه طاقاتِك ومواهبَك وتشعر بأنّك تعطي وتبذل من أجله، فحاجة الإنسان إلى الوطن هي حاجة الإنسان إلى العطاء والبذل؛ لأنّ الإنسان محتاجٌ أنْ يعطي وأنْ يبذل، ورد عن الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السّلام): "عمّرت البلدان بحبّ الأوطان"، يعني: حبّ الوطن يقود الإنسان إلى أنْ يعمر، ينتج، يعطي، لأنه يحبّ وطنه فينتج ويعمر ويعطي ويبذل ما عنده.
هذه منطلقاتٌ تكشف لنا حاجة الإنسان إلى وجود وطنٍ حاجة جوهريّة ومتأصّلة في شخصيّة الإنسان.
السّؤال الرابع: هل أنّ ولاء الإنسان للتربة التي يعيش عليها أم أنّ ولاء الإنسان لعقد المواطنة وميثاق المواطنة؟
يعني: الآن هذه التربة التي نعيش عليها ونحنّ إليها حنينًا فطريًا، هل لهذه التربة ولاءٌ مقدّسٌ؟ يعني لو أنّ إنسانًا لم يعترف بالتربة التي عاش عليها هل أنّه حارب ولاءً مقدّسًا اسمه (ولاء التربة التي يعيش عليها) أم لا؟! هل الولاء المقدّس للتربة أم الولاء المقدّس لعقد المواطنة وميثاق المواطنة؟
إذن هنا اتجاهان:
الاتجاه الأول: الذي يرى أن الولاء المقدس للتربة.
ما دام هذه التربة احتضنتك ونموت فيها إذن لها ولاءٌ عليك شئتَ أم أبيتَ، ويُسْتَدَلّ على ذلك بما ورد عن النبي محمّدٍ (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: "حبّ الوطن من الإيمان"، ولاءٌ مقدّسٌ يعني إيمان، وأنّ النبي نفسه تفاعل مع حبّ وطنه، عندما أخرج من مكّة وقف عليها وقال: "واللهِ إنّك لخير أرض الله، وأحب بلاد الله إليّ، ولولا أنّ قومك أخرجوني ما خرجتُ منكِ"، وعندما مشى كان يملؤه الغمُ والهمُ وهو خارجٌ من وطنه، فنزل عليه جبرئيلُ بهذه الآية يسليه ويطمئنه: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} [8]، {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}[9].
إذن كان هناك حنينٌ إلى وطنه، وعندما وصل المدينة مضت أيامٌ، شهورٌ... جاء أبانُ بن سعد إلى المدينة، فسأله النبيُ (صلى الله عليه وآله): يا أبان كيف تركت أهل مكة؟ قال: تركتهم وقد جِيدُوا، وتركتُ الإذخر (نوعٌ من النبات) وقد أعذق، وتركتُ الثمامَ وقد خالص، فلما سمع ذلك رسولُ الله اغرورقت عيناه من الدّموع، تذكّر تربة مكة وصورة مكة فاغرورقت عيناه بالدموع.
إذن بما أنّ النبي – وهو الأسوة {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [10] – عبّر عن حنينه إلى بلده ووطنه هذا يدلّ على أنّ للتربة ولاءً مقدسًا، ولذلك احترمه رسولُ الله (صلى الله عليه وآله).
هذا اتجاهٌ فكريٌ موجودٌ، هذا الاتجاه محلّ مناقشة، لماذا؟
أولاً: الحديث المنقول عن النبي: "حبّ الوطن من الإيمان" ما ثبت بسندٍ صحيح، الألباني – من علماء إخواننا أهل السنة – يقول: هذا الحديث موضوعٌ ولا أساس له، أصلاً هذا حديثٌ موضوعٌ على النبي (صلى الله عليه وآله).
ثانيًا: هناك مسألة تذكر في علم الأصول أنّ فعل المعصوم هل يدلّ على الاستحباب أم لا يدل إلاّ على الجواز؟
مثلاُ: نرى الرّسول (صلى الله عليه وآله) مثلاً أفطر بالرطب، كان صائمًا وأفطر بالرطب، أتستطيع أن تقول: الإفطار بالرّطب مستحبٌ! لماذا؟! لأن الرسول أفطر بالرطب! طيّب يعني وإذا أفطر بالرطب؟! هذا العمل لا يدلّ على الاستحباب، لماذا؟ غاية ما يدل عليه الجواز؛ لأنّ المعصوم لا يفعل محرمًا، فإذا فعل فعلاً دلّ الفعلُ على أنه جائزٌ، أمّا أنّه مستحبٌ لا، غايته أنّه فعلٌ جائزٌ، لكن لا يوجد دليلٌ على أنه مستحبٌ، لعلّ النبي أكل رطبًا لأنّه لم يجد غيره! صح أو لا؟! يعني تريد منه أن يأكل زيتونًا؟! لم يكن هناك زيتونٌ، لم يكن هناك إلا الرّطب.
إذن بالنتيجة: فعل المعصوم لا يدلّ على الرّجحان و الاستحباب وإنّما يدلّ على الجواز والرّخصة، فتعبير النبي (صلى الله عليه وآله) عن حبّه لوطنه وحنينه لوطنه إنما يدلّ على أنّ هذا التعبير جائزٌ ومشروعٌ لا أنّه أمرٌ مستحبٌ بحيث يكون له ولاءٌ مقدّسٌ محترمٌ، هذا ثانيًا.
ثالثًا: نحن إذا راجعنا النصوصَ الشريفة نجد أنّ النصوص تؤكّد على أنّ الولاء للدّين لا لشيء آخر، الرّابطة الدّينيّة هي مركز الولاء وليست الرّابطة رابطة مع تربة الوطن، لا، الرّابطة المقدّسة بحسب الدّين هي الرابطة الدّينيّة، الارتباط مع الله عزّ وجلّ، لاحظوا مثلاُ قوله عز وجل: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [11]، وقال تبارك وتعالى: ومن {وَمَنْ ... يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ} [12].
وهذه الآية التي سأقرؤها واضحة في الدلالة على ما نريد: {الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} يعني: جماعة انحرفوا، وسبب انحرافهم أنّهم جلسوا في بلدٍ معيّنٍ، {الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ – يعني: نحن انحرفنا لأنّنا عشنا في بلدٍ منحرفٍ، فأجواء هذا البلد فرضت علينا أن ننحرف – قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً} [13]
إذن المسألة لا ترتبط بالتربة، ترتبط بالرّابطة الدّينيّة، الرّابطة ذات الولاء المقدّس الرّابطة الدّينيّة، {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا}، وقال تبارك وتعالى {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} [14]، إذن أين الولاء؟ أين موطن الولاء؟
الاتجاه الثاني: موطن الولاء هو لعقد المواطنة (لميثاق المواطنة) وليس للتربة التي يعيش عليها الإنسانُ.
كيف لعقد المواطنة؟ هذا المطلب ذكره الفلاسفة الغربّيون وذكره بعضُ علماء المسلمين أيضًا، طرحه (روسو) وطرحه (جون لوك) وطرحه (فولتير) وطرحه بعضُ علمائنا كالشّهيد محمّد باقر الصّدر والشّيح محمد مهدي شمس الدّين وغيرهم من العلماء... أنّ المواطنة عقدٌ وميثاقٌ وليست تربة ولا هواءً، المواطنة عقدٌ وميثاقٌ، والولاء للعقد والميثاق وليس لشيءٍ آخر، كيف؟
متى ما اجتمعت أممٌ، طوائفُ، قبائلُ... في أرضٍ واحدةٍ لابدّ أنْ يكون بينهم ميثاقٌ على أنّنا نعيش في بلدٍ واحدٍ آمنين، ينصر بعضُنا بعضًا، ويدافع بعضُنا عن بعضٍ، ولا يعتدي بعضُنا على البعض الآخر، ونتقاسم ثرواتِ هذا البلد بشكلٍ متساوٍ من دون تمييز لطائفة على أخرى ولا لعرق على آخر، عندما يتحقق هذا الميثاقُ وهذا العقدُ بين أيّ مجموعاتٍ تقطن مكانًا معينًا فذلك العقد هو المواطنة، وذلك العقد هو موطن الولاء المقدّس، هذا العقد عقدٌ قانونيٌ، وعقدٌ شرعيٌ أيضًا، لأنّ عقد المواطنة معاهدة، والمعاهدة عقدٌ شرعيٌ مشمولٌ لقوله عزّ وجلّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [15] وهذا عقدٌ.
إذن ميثاق المواطنة وعقد المواطنة هو موطن الولاء، ونحن ذكرنا في الليلة الثالثة من ليالي محرم الحديث عن الدّولة الليبراليّة و الدّولة الدّينيّة وذكرنا أن هناك زمنين:
1. زمان المعصوم (عليه السّلام): إذا كان المصعومُ موجودًا نبيًّا أو إمامًا فهو صاحب الولاية من الله عزّ وجلّ ولا يحتاج إلى عقدٍ ولا إلى ميثاق اجتماعي، لكنّ النبيّ تفضّلاً منه قام بأخذ البيعة من الأمّة، والإمام علي تفضّلاً منه أخذ البيعة من الأمّة لإلزام الأمّة بملزمين:
1/ ملزمٌ شرعيٌ.
2/ وملزمٌ قانونيٌ وعقلائيٌ: وهو الإلزام الناشئ عن طريق البيعة.
2. أمّا في زمان غير المعصوم (كزماننا هذا): لو قامت دولة ليبراليّة أو قامت دولة دينية – لا يفرق الحال من هذه الجهة – هناك مشكلة موجودة في أغلب الدّول، ما هي المشكلة؟ إذا كانت الدولة تضمّ طوائفَ متعدّدة (فيها مسيحيون، فيها مسلمون) مثل مصر، لبنان، العراق، أو فيها شيعة وفيها سنة، إذا كانت الدولة تضمّ طوائفَ متعددة كيف تتم الأمورُ؟
حتى يحصل عقدٌ مقدّسٌ وميثاقٌ مقدّسٌ لابد أنْ يكون بين هذه الطوائف ميثاقٌ على أنّ لكل طائفة أحوالَها الشخصية، يعني: لكل طائفة قضاءٌ مستقلٌ تطبّق من خلال ذلك القضاء الأحوالُ الشخصيّة؛ لأن الأديان تختلف في الأحوال الشخصيّة، والمذاهب تختلف في الأحوال الشخصيّة، وهذه مشكلة في إيران مطروحة، في العراق مطروحة، في لبنان مطروحة، باعتبار اختلاف الأديان والمذاهب في الأحوال الشخصيّة.
يعني مثلاً: الإسلام لا يرى ميراثًا بين الكافر والمسلم، الكافر لا يرث المسلم، طيّب كيف يطبّق هذا النظام مع وجود طبقةٍ أو فئةٍ لا تؤمن بالإسلام في الدولة الإسلاميّة؟! الإسلام مثلاً يرى أنه لا زواج بين المسلم والكافر، يعني: المسلم لا يتزوج امرأة كافرة، طيّب كيف يطبّق هذا القانون في دولة بعض فئاتها وطوائفها مسيحيّون؟!
إذن هناك اختلافٌ بين الأديان في الأحوال الشخصيّة، تأتي أيضًا بين المذاهب، المذهب الإمامي يشترط شهادة عدَلين في صحّة الطلاق، ولا يشترط شهادة عدلين في صحّة الزواج، بينما المذهب غير الإمامي لا يشترط شهادة عدَلين في صحّة الطلاق، ويعتبر في الزواج الإشهارَ، إذن بالنتيجة: هناك اختلافٌ، مثلاً: المذهب الإمامي لا يرى ميراثًا للعصبة، يعني: إنسانٌ مات وله أعمامٌ، يعني أعمامه وعشيرته لهم ميراث؟! لا، ما دام الطبقة الأولى من الورثة موجودة لا ميراث للعصبة، بينما المذهب غير الإمامي يرى الميراث للعصبة.
إذن بالنتيجة: هناك اختلافٌ في الأحوال الشخصيّة، بما أنّ الاختلاف قائمٌ بين الأديان والمذاهب في الأحوال الشخصيّة فالمواطنة تقتضي ميثاقًا بين هذه الطوائف كلها على أنّ لكلّ طائفة قضاءً مستقلاً تطبّق من خلاله الأحوالُ الشخصيّة لكل طائفةٍ بمفردها، وإن كانت هذه الطوائفُ تنتظم تحت دولةٍ واحدةٍ، تحت إدارةٍ واحدةٍ، سواءً كانت هذه الدولة ليبراليّة أو كانت هذه الدولة دينيّة.
السؤال الأخير: ما هي حقوق المواطنة؟
المواطنة – بحسب ما يستفاد من القوانين الدوليّة وبحسب ما يستفاد من النصوص الدّينيّة – المواطنة تعني الكرامة، المواطنة يعني كرامة، لا مواطنة بدون كرامة، المواطنة مساوقة وملازمة للكرامة، ولذلك – لأنّ المواطنة تساوي الكرامة – تنبثق عن حقيقة المواطنة عدة حقوق لابدّ منها:
1- رفع التمييز: ألا يكون هناك تمييزٌ بين المواطنين لا في الوظائف، ولا في المناصب، ولا في تعامل الدولة مع المواطنين في أي دائرة من دوائر الدّولة، ولا في الشّارع، ولا في السّوق، ولا في أي مكان، يشعر كلُ مواطن بأن لا تمييز على أساس دين، أو على أساس مذهب، أو على أساس عرق، أو على أساس لون، أو على أساس قوميّة، لا تمييز بين المواطنين على أي أساسٍ من الأسس.
الإمامُ أميرُ المؤمنين عليٌ (عليه السّلام) رائد الدولة – دولة الوطنيّة، دولة الإنسان – يكتب في عهده لمالك الأشتر: "واعطف قلبك للرّعية، واستوصِ بهم خيرًا، ولا تكوننّ عليهم سبُعًا ضاريًا تغتنم أكلهم، فإنّ الناس صنفان: إمّا أخٌ لك في الدّين، أو نظيرٌ لك في الخلق".
والإمامُ عليٌ لا يقول كلامًا ولا يطبقه، هو يطبقه بالفعل، رأى الإمامُ عليٌ رجلاً يتسوّل، الإمام علي لا يقبل بظاهرة التسوّل، هذا يتسوّل إذن معناه هناك خللٌ في الدولة، إذا يتسوّل معناه هناك نقصٌ في توزيع الثروة، لا يقبل بظاهرة التسوّل، قال: ما هذا؟! قالوا: هذا رجلٌ نصرانيٌ كبر سنه وعجز عن العمل فأخذ يتكفف الناسَ، قال: "ويحكم! استخدمتموه حتى إذا كبر تركتموه يتكفف الناسَ؟! أعطوه من بيت مال المسلمين" يعني: أعطوه راتبًا من قِبَلِ خزانة الدولة، هذا له راتبٌ من قِبَلِ الدولة حتى لا تبقى ظاهرة التسوّل.
إذن بالنتيجة: عدم التمييز على أساس دينٍ أو مذهبٍ أو عرقٍ حقٌ من حقوق المواطنة.
2- حق البقاء في الأرض: هذا المواطن وُلِدَ في هذه الأرض فله حق البقاء فيها، لا يُخْرَجُ منها، ولا يُضَيّقُ عليه الخناقُ فيها، ولا تُقَطّع أرضُه ولا تُصَغّر ولا يُعْبَثُ بها؛ لأنّ له حقًا في هذه الأرض التي وُلِدَ فيها ونمى عليها، القرآن الكريم يذمّ كل طائفة تحاول أنْ تسيطر على الأرض على أساسٍ ديني: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} إمّا أنْ تصير على ديننا أو تخرج! {لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ} [16]، فالقرآن يذمّ هذه الظاهرة – ظاهرة السّيطرة على الأرض على أساسٍ ديني – ويقول أيضًا: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} [17].
3- الأمن: حق الإنسان في الأمن، الوطن يعني الأمن، حق الإنسان في أنْ يشعر أنّه آمنٌ، آمنٌ على نفسه، آمنٌ على عِرْضه، آمنٌ على أمواله، آمنٌ على أي اعتداءٍ سواءً كان اعتداءً جسديًا أو كان اعتداءً إعلاميًا، الاعتداء الإعلامي لا يقلّ عن الاعتداء الجسدي، عندما تعدي جماعة على أخرى ولو اعتداءً إعلاميًا فالاعتداء الإعلامي لا يقلّ خطرًا عن الاعتداء الجسدي، عندما تعتدي جماعة على فئة من المواطنين، تتهمها بالخيانة، تتهمها بعدم الولاء، تتهمها بعدم الطاعة... هذا اعتداءٌ إعلاميٌ، هذا الاعتداء الإعلامي لا يقلّ خطرًا عن الاعتداء الجسدي؛ لأنّه يورث الضغينة والحقد بين أبناء الوطن الواحد.
لذلك ورد عن النبي محمّدٍ (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: "لا خير في الوطن إلا مع الأمن والسّرور"، وقد قرأنا الآية المباركة: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ}، وورد عن الإمام علي (عليه السّلام) أنه قال في دعائه: "وارزقنا السّعة في الرّزق والأمن في الوطن".
4- حق الحرية الدّينيّة: إذا كان الوطن مؤلفًا من طوائفَ فلكلّ طائفةٍ حريّتها الدّينيّة في ممارسة طقوسها، شعائرها، في كتبها، في مساجدها، في معابدها، لكلّ طائفةٍ حريّتها الدّينيّة، وليس من حقّ طائفةٍ أنْ تشنّع على أخرى بالشّرك أو الكفر أو بالبدعة، كلّ طائفةٍ تمارس عقيدتها بما تراه وبما يرتكز عندها من دون مبرّرٍ لتشنيع طائفةٍ على أخرى، فالدّولة الإسلاميّة كفلت للطوائف المتعددة الحرّيّة في ممارسة طقوسها وشعائرها.
النبي (صلى الله عليه وآله) لما وصل إلى يثرب أقام عقدًا وميثاقًا بين أهل المدينة، وكان في المدينة اليهود، وكانوا كثيرين في المدينة، عقد النبيُ (صلى الله عليه وآله) بين المسلمين وبين اليهود ميثاقًا وطنيًا واضحًا: "بسم الله الرّحمن الرّحيم، هذا كتابٌ من محمّدٍ النبي بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومَنْ تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أنهم أمّة واحدة من دون النّاس، وأنّ مَنْ تبِعنا مِنْ يهودٍ – ولو كان يهوديًا، إذا هو تابعٌ لنا – فإنّ له النصرَ والأسوة، غير مظلومين ولا متناصرَين عليهم، وإنّ اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين، وإنّ يهود بني عَوْف أمّة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم...".
ويقول في آخر هذه الوثيقة: "وإنّ بينهم النّصرُ على مَنْ حارب أهلَ هذه الصحيفة – يعني: الذي يحارب هذا الميثاق الكلُ ينصر الآخر في دفع مَنْ يحارب هذا الميثاق – وإنّ بينهم النصحُ والنصيحة والبرُ دون الإثم، وإنّه لم يأثم امرؤٌ بحليفه وإنّ النصر للمظلوم..." إلى آخر الوثيقة التي ذكرها ابنُ هشام في (السّيرة النبويّة) وابنُ كثير وغيره مِنَ المؤرخين الذين تعرّضوا لهذه الوثيقة التي حققت أول دولةٍ للإنسان والإسلام على الأرض.
والإمام أميرُ المؤمنين عليٌ (عليه السّلام) سار على هذا النهج، الإمام علي – كما ذكرنا في بعض الليالي – مرّ مع بعض أصحابه على كنيسةٍ، فامتعض بعضُ أصحابه وقال: يا أمير المؤمنين هذا مكانٌ طالما عُصِيَ فيه اللهُ! (هذه الكنيسة محل معصيةٍ) قال: "مه! قل: هذا مكانٌ طالما عُبِدَ فيه اللهُ"، لكل أهل دينٍ معابدهم، لكل أهل دينٍ مؤسساتهم، لكل أهل دينٍ وأهل مذهبٍ شعائرهم وطقوسهم يمارسونها بحسب ما يريدون.
5- توزيع مرافق الحياة: توزيع مرافق الصحة، مرافق التعليم، فرص العمل... بشكلٍ مستاوٍ، الوطن يعني الكرامة، والكرامة تعني توفير مرافق الصّحة والتعليم وأنْ يكون للإنسان فرصة عملٍ في وطنه ما دام يعمل في ذلك الوطن، ورد عن الإمام زين العابدين (عليه السّلام): "مِنْ سعادة المرء أن يكون متجره في بلاده"، وورد عن الإمام علي (عليه السّلام) أنّه قال: "الغنى في الغربة وطنٌ، والفقر في الوطن غربة" مَنْ ملك الغنى فهو في وطنٌ ولو كان في غربة، ومَنْ كان فقيرًا فهو في غربة ولو كان في وطنٍ، إذن مِنْ حق كلّ إنسان أن تكون له فرصة عملٍ يوفّر بها العيشَ الكريمَ لنفسه ولعياله.
6- تنمية روح الأخوة الوطنيّة: الإعلام دوره أنْ ينمّي روح الأخوّة الوطنيّة بين أبناء الوطن الواحد، الإعلام ليس فيه طائفيّة، الإعلام ليس فيه نبزٌ، الإعلام ليس فيه تعريضٌ، الإعلام هو مَنْ ينمّي روحَ الأخوة بين أبناء الوطن الواحد، الإعلام والمقرّرات الدّراسيّة تعلم النشأ أنّ هناك وطنًا فيه طوائفُ مختلفة، فيه تيّاراتٌ واتجاهاتٌ مختلفة، وأنّ الجميع إخوة في الدّين والوطن يتحابّون ويتناصرون ويتدافعون في دفع الخطر عن أوطانهم بميثاق الأخوّة الوطنيّة، يقول القرآن الكريم: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [18].
7- تعليم الأجيال المبادئ المقدّسة: طبعًا مِنَ المستهجن أنْ نتكلم عن حقوق المواطنة ولا نتكلم عن واجبات المواطنة، من الطبيعي كما أن للمواطن حقوقًا فإنّ عليه واجباتٍ: أنْ يحترم هذا الوطن، أنْ يدافع عن الوطن، أنْ يرى لوطنه كرامة وقيمة، ألا يرضى ببعثرة وطنه ولا يرضى بشرذمة وطنه، هذا شيءٌ طبيعيٌ، فلابدّ من تعليم الأجيال الناشئة المبادئَ المقدّسة للوطن من حقوقٍ ومن واجباتٍ.
 ومن أهم تلك المبادئ: أنّ الوطن إذا كان وطنًا دينيًا تعليم الأجيال قدسيّة الدّين وعظمة الديّن وأنّ الولاء للدين وأنّ الفداء والتضحية للدّين، وهذا ما كان يقوم به أهلُ بيت النبوّة (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) من تعليم أبنائهم وأطفالهم قدسيّة الدّين وعظمة الدّين وأنّ الولاء والفداء والتّضحية للديّن، لذلك ترى صغارهم وأطفالهم يبادرون إلى التّضحية ويبادرون إلى الفداء لأنهم رُبّوا على هذه الروح (روح الفداء والتضحية من أجل الدّين)، نحن هذه الليلة نجتمع في ذكرى طفلٍ من أطفال كربلاءن كان طفلاً في سنه لكنّه كان كبيرًا في شهادته وفدائه وتضحيته وعلمه ومعرفته ألا وهو القاسم بن الحسن.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمّدٍ وآله الطيبين الطاهرين


[1]البقرة : 126.
[2]الأعراف : 54.
[3]الإسراء : 85.
[4]المؤمنون : 12 – 14.
[5]الحج : 46.
[6]الأحزاب : 32.
[7]الحجرات : 13.
[8]القصص : 85.
[9]يوسف : 64.
[10]الأحزاب : 21.
[11]المنافقون : 8.
[12]النساء : 115.
[13]النساء : 97 – 98.
[14]العنكبوت : 56.
[15]المائدة : 1.
[16]الأعراف : 88.
[17]الحج : 39 – 40.
[18]الحجرات : 10.
المرسل: الأربعاء, 16 كانون2/يناير 2013
أبو فاطم 2011-12-11 08:41:51
ربي يقويك سيدنا، اللهم صل على فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والتسعة المعصومين من ذراريها عجل الله تعالى لهم الفرج، السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين الذين بذلوا مهجهم دون الحسين عليه وجده وأبيه وأمه وأخيه والتسعة المعصومين ذريته وبنيه عجل الله تعالى لهم الفرج،أفضل الصلاة وأتم التسليم،.