Thu20190425


الفقة الإسلامي بين التبعية والعقلانية

السيد منير الخباز

عدد التحميلات
1151
كود المدونة او الموقع
لإضافة مقطع الفقة الإسلامي بين التبعية والعقلانية بصوت السيد منير الخباز في موقعك او مدونتك انسخ الكد التالي :
30 × 300
30 × 450
30 × 600
30 × 1000
عرف
:طول
px
:عرض
px
کن اول من یعلق عن هذا المقطع الصوتی
الفقة الإسلامي بين التبعية والعقلانية - السيد منير الخباز
تاريخ الاضافة
2011-12-04 10:09:41
عدد الاستماعات
140
المدة
01:04:02
عدد التحميلات
1151
نص هذا المقطع
 الفقة الإسلامي بين التبعية والعقلانية
بسم الله الرحمن الرحيم
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [1]
آمنا بالله صدق الله العلي العظيم
الآية المباركة تأمر المؤمنين بالاستجابة لقانون السّماء باعتبار أنّ في قانون السّماء حياة للإنسان، فهل فعلاً قانون السّماء حياة للإنسان أم لا؟
من هذا المنطلق نتكلم في محاورَ ثلاثةٍ:
المحور الأول: في نظرةٍ نقديةٍ لفقه الفتوى المعاصِر.
هناك جمعٌ من المفكّرين طرح نظرة نقدية للفتاوى التي تصدر من قِبَلِ الفقهاء، ومحصّل هذه النظرة النقدية أنّ الفقهاء يقرّرون أنّ العقل دليلٌ من أدلة الحكم الشرعي، فكما أنّ العقل دليلٌ في أصول الدين فهو دليلٌ في الفروع أيضًا، فعلماء الكلام في الفكر الإمامي يستدلون على الأصل الثاني – ألا وهو أصل العدل – بالعقل، فيقولون: العقل هو الذي يحكم بالحسن، بحسن الأفعال وقبحها، وبما أنّ العقل هو مرجعٌ في الحكم بحسن الأفعال وقبحها فإنّ العقل أيضًا يحكم بأنّ الظلم قبيحٌ على الله عزّ وجلّ، فلو أنّ الله عز وجل جازى النبي محمّدًا (صلى الله عليه وآله) على أتعابه وجهوده بأنْ أدخله النار مثلاً لكان ذلك ظلمًا قبيحًا، والظلم قبيحٌ حتى من الله عزّ وجلّ، فلذلك كان العدل أصلاً من أصول الدين.
وأيضًا العقل دليلٌ في فروع الدّين أيضًا، لاحظوا مثلاً ما يفتي به الفقهاء من حرمة مخالفة النظام، فإنّ فتوى الفقهاء بحرمة مخالفة النظام نابعة من العقل، فإنّ العقل نفسه يقول: مخالفة النظام إذا كان فيها مَعْرَضيّة لتلف نفسٍ أو مالٍ أو عرضٍ فهو عملٌ قبيحٌ، مثلاً: عندما يقطع الإنسانُ الإشارة الحمراء في الشارع وهذا القطع فيه مَعْرَضيّة لأنْ تتلف به نفسٌ أو يتلف به مالٌ أو يُهْتَك به عرضٌ، فللأجل أنّ في مخالفة النظام مَعْرَضيّة لتلف نفسٍ أو عرضٍ أو مالٍ فالعقل يحكم بأنّ المخالفة عملٌ قبيحٌ، ولذلك أفتى الفقهاءُ على طبق العقل وقالوا: مخالفة النظام الذي يحفظ الأنفس والأموال والأعراض حرامٌ، إذن العقل دليلٌ على الحكم الشرعي كما هو دليلٌ على أصول الدين.
بما أنّ العقل كذلك إذن يجب أن تكون الفتاوى الفقهية الصّادرة من المراجع فتاوى منسجمة مع العقل، فتاوى متطابقة مع حكم العقل، لا أن تكون الفتاوى منافرة لحكم العقل، ومن أجل أنْ تكون الفتاوى ملائمة ومتطابقة مع حكم العقل فلابدّ من توفرّ هذه الفتاوى على عدّة عناصرَ نشير إليها:
العنصر الأول: أن تكون الفتوى منسجمة مع كرامة الإنسان، لا أنّ الفتوى مخالفة لكرامة الإنسان.
مثلاً من باب المثال: فتوى الفقهاء بنجاسة الكافر غير الكتابي، يعني: غير اليهودي والنصراني، الكافر البوذي مثلاً، فتوى الفقهاء بنجاسة هذا الإنسان مع أنّه إنسانٌ يتنافى مع كرامة الإنسان، ويكون موجبًا لعزلة المجتمع الإسلامي عن المجتمع الآخر، أو فتوى الفقهاء بأنّه لا يجوز للمسلم أنْ يتزوّج امرأة غير مسلمةٍ، إنّ هذه الفتوى تضع حاجزًا بين المجتمع الإسلامي وبين غيره، مع أنّ المفروض انفتاح المجتمع الإسلامي على المجتمعات الأخرى، هاتان الفتويان تتنافى مع كرامة الإنسان، حيث يُحْكَمُ عليه بالنجاسة وبعدم صحّة الزواج منه، وتتنافى مع مبادئ القرآن الكريم في قوله تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [2] وقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [3]، هذا العنصر الأول.
العنصر الثاني: أن تكون الفتوى مركّزة على جوهر الشيء لا على شكل الشيء.
الكثير من فتاوى الفقهاء تركّز على العنصر الشكلي وتهمل العنصر الجوهري، من باب المثال: الفقهاء يقولون: يُشْتَرَط في عقد الزواج أن يكون باللغة العربية، يُشْتَرَط في الطلاق أن يكون باللغة العربية، لماذا؟! هذا تركيزٌ على الشكل وليس تركيزًا على الجوهر، العقد مضمونه واحدٌ سواءً كان باللغة العربية أو كان باللغة الفارسية أو كان باللغة الإنجليزية، فلماذا التنصيص على اللغة العربية؟! فتاوى الفقهاء تذكر أنّه يُشْتَرَط في حليّة الذبيحة أن تذكر اسم الله عليها باللغة العربية، لو ذبحتَ الدجاجة مثلاً وقلتَ: (به نام خدا) – باللغة الفارسية – ما يصير، لازم باللغة العربية، ما الفرق بين اللغة العربية وغيرها إلا من حيث الشكل، والمضمون واحدٌ؟! فالتركيز على العنصر الشكلي وإغفال الجوهري والمضموني يعني أنّ هذه الفتوى غير عقلانيّة، غير منسجمة مع العقل، هذا العنصر الثاني.
العنصر الثالث: أن تكون الفتوى ناشئة عن قراءة النصّ قراءة تاريخيّة.
ما معنى ذلك؟ النصوص الصّادرة عن النبي أو عن الإمام المعصوم (عليهم الصلاة والسلام) هذه ظواهرُ بشرية، كما يعبّرون: زمكانيّة، يعني: خاضعة لظروف الزمان والمكان، المعصوم يمشي، يأكل، يشرب، مشيه وأكله وشربه ظواهرُ طبيعيّة تخضع للزمان وللمكان، فكما أنّ مشي المعصوم وأكله وشربه ظواهرُ طبيعيّة تخضع للزمان والمكان أيضًا النصوص الصّادرة منه ظواهرُ طبيعيّة، فالنص الصّادر عن المعصوم ظاهرة طبيعيّة خاضعة لظروفٍ زمانيةٍ ومكانيةٍ، فهي ظاهرة بشريّة تاريخيّة.
ومن أجل ذلك إذا أراد الفقيهُ أن يقرأ النص فلابدّ أنْ يقرأه من خلال ظروفه التاريخيّة لا أنْ يقرأه مجرّدًا عن ظروفه، لكنّ فتاوى الفقهاء تتعامل مع النصوص تعاملاً مجرّدًا، أي أنّ الفقيه يتعامل مع النص كأنّه شيءٌ مقدّسٌ لا يخضع للزمان ولا للمكان، وهو فوق الأزمنة والأمكنة لا تؤثر فيه تغيّر الظروف ولا تغيّر الحضارات، وهذا يتنافى مع العقل الذي يقرّر أنّ النصّ ظاهرة تاريخية يجب أنْ تُقْرَأ مِنْ خلال ظروفها التاريخيّة.
من باب المثال أمثل: مثلاً حرمة الربا، قال تبارك وتعالى: {أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [4]، في زمن نزول الآية وزمن النبي (صلى الله عليه و آله) كان النقدُ ثابتَ القيمة، يعني: النقد لأنّه كان من الذهب أو من الفضة كان ثابتَ القيمة، أمّا النقد في زماننا فقد تعرّض لمشكلة التضخم، فالنقد لا يحتفظ بقيمته من زمن إلى زمنٍ آخر، وبالتالي: حرمة الرّبا جاءت في ظروفٍ تاريخيّةٍ معيّنةٍ، وهي ظروفٌ كان النقد فيها ثابتًا، فكيف نعمّم هذه الحرمة إلى زماننا مع أنّ النقد في زماننا يعيش مشكلة التضخم وليس ثابتَ القيمة؟! فلو أنا أقرضتك ألفَ دولار، جئتني بعد سنة وأعطيتني ألفَ دولار مع أنّ الدولار انخفضت قيمته، إذن أنت ظلمتني ولم توفني حقي، إذن بالنتيجة: لو دُرِسَت حرمة الربا من حيث ظروفها التاريخيّة لما عمّمت لكلّ زمانٍ يتعرّض النقدُ فيه لتضخم القيمة.
العنصر الرابع:
أنّنا عندما نريد أن نقرأ النص فإنّما نقرؤه من خلال اللغة، واللغة – كما يقول علماء الاجتماع – اللغة كائنٌ حيٌ، والكائن الحي يتغيّر ولا يبقى على حاله، كما أنّ جسم الإنسان كائنٌ حيٌ يتغيّر من الطفولة إلى الشباب إلى الكهولة إلى الشيخوخة... اللغة أيضًا تتغيّر، وبالتالي: معاني الألفاظ تتغير، يكتنفها الغموضُ، يكتنفها التغيّر، فكيف للفقيه أنْ يأخذ نصًا صدر قبل ١٤٠٠ سنة يفسّره بلغة الآن، يفسّره بمفاهيم الآن، مع أنّ هذا النص صدر قبل ١٤٠٠ سنة، أي أنّ ألفاظ النص اعتراها التغيّر من حيث معانيها، فكيف يفسّرها الفقيهُ بمعانيها في زماننا مع أنّ اللغة في مَعْرَض التغيّر والتحوّل؟!
مثلاً من باب المثال: عندنا نصوصٌ تتكلم عن الارتداد، من ارتدّ عن دينه فإنْ كان فطريًا قُتِلَ، وإنْ كان مليًا اُسْتٌتِيب، كيف يعني؟! إذا واحد تولد من أبوين مسلمين، هذا يسمّونه فطريًا، مسلمٌ بالفطرة، فإذا ارتدّ بعد بلوغه عن الإسلام، هذا يسمّونه مرتدًا فطريًا، هذا يُقْتَل، لا يُسْتَتَاب، وإذا واحد كان غير مسلم، ثم أسلم، ثم ارتد، هذا يسمّونه مرتدًا مليًا، هذا يستتاب ثلاثًا فإذا لم يتب قُتِلَ.
يأتيك إنسانٌ ويقول لك: لماذا هكذا؟! أنتم الآن فسّرتم الارتداد بمفهومه في زماننا، لعلّ للارتداد معنىً آخر في زمان النبي، أنتم الآن ترون الارتداد: مَنْ أنكر ضرورة من ضرورات الدين، كما لو أنكر نبوة أو أنكر وجوب الصلاة، تعتبروه مرتدًا، تقولون: هذا يُقْتَل، لعلّ الارتداد في زمان النبي (صلى الله عليه وآله) بمعنىً آخر، الارتداد بمعنى مَنْ أنكر ضرورة من الدين عن عنادٍ وإصرارٍ، أمّا لو أنكر ضرورة لشبهةٍ في ذهنه أو لعدم قناعةٍ في داخله فلماذا يسمّى مرتدًا وتترتب عليه الأحكامُ؟!
إذن هناك جمعٌ من المفكّرين سجّلوا هذه النظرة النقديّة على فقه الفتاوى الموجودة وقالوا بأنّ هذا الفقه يتنافى مع العقلانيّة، ولأجل ذلك لابدّ من مراعاة هذه العناصر الأربعة التي تعرّضنا إليها لكي يكون الفقهُ الفتوائيُ فقهًا منسجمًا مع العقل، هذه هي النظرة النقديّة، الآن أنا في المحور الثاني أناقش هذه النظرة.
المحور الثاني من حديثنا: في بيان مواكبة مسيرة الفقه للحياة ولتطورها.
نحن نتصوّر أنّ المفكّرين الذين طرحوا النظرة النقديّة التي تحدثنا عنها لم يحيطوا بالفقه إحاطة دقيقة، لو رجعوا إلى الكتب التي بحثها علماؤنا في مجال الاستدلال والاستنباط الفقهي لرأوا أنّ مسيرة الفقه الإمامي مسيرة متطورة، ومسيرة تتابع التطور الثقافي، وتتابع مسيرة الحياة، وبالتالي فالفقه الإمامي من حيث مسيرته الاستدلالة فقهٌ مواكبٌ للحياة، كيف؟
أنا أتعرض إلى عدة معالم في الفقه الإمامي من خلالها سوف نلتفت لمواكبة هذا الفقه لمسيرة الحياة:
المعلم الأول:
صحيحٌ أننا نقول: العقل دليلٌ من أدلة الحكم الشرعي, أدلة الأحكام الشرعيّة عندنا: الكتاب، وسنة النبي وأحاديث المعصومين، والعقل، وبعض العلماء يعتبر الإجماع دليلاً على الحكم الشرعي، وبعضهم يعتبره دليلاً على الدليل, المهم نأتي إلى العقل: ما هو العقل؟ عندما نقول: العقل دليلٌ من أدلة الحكم الشرعي, ما هو العقل؟
ليس المقصود بالعقل عقلي وعقلك، وإلا العقول لا تنتهي، المقصود بالعقل: العقل القطعي الجمعي، يعني ماذا؟ يعني: القضايا التي إذا عُرِضَت على العقلاء اتفق العقلاءُ عليها بما هم عقلاء, القضايا التي يتفق جميعُ العقلاء عليها بما هم عقلاء نعتبرها دليلاً من أدلة الحكم الشرعي، وليس كل شخص صار عنده في رأسه فكرة تعتبر دليلاً على الحكم الشرعي، وإلا لخضع الحكمُ الشرعيُ للهرج والمرج، دليل الحكم الشّرعي العقل القطعي الجمعي، يعني: ما اتفق عليه العقلاءُ بما هم عقلاء إذا التفتوا إليه، هذا الذي يتفقون عليه يُعْتَبَرُ دليلاً من أدلة الحكم الشرعي, وهذا متى يحصل؟ يحصل إذا كان العملُ مفسدة محضة أو مصلحة محضة، مثلاً ماذا؟
 أضرب لك أمثلة: قتل الإنسان البريء بدون حق، هذا لا يوجد فيه إشكالٌ، اتفق العقلاءُ على أنّه مفسدة محضة، فهو ظلمٌ، فهو قبيحٌ، هذا واضحٌ، تأتي مثلاً إلى ضمان ما أتلف من مال الغير، أنت تطلع بسيارتك من البيت، تضرب سيارة أخرى، تكسر منها بابًا، تكسر منها زجاجًا، أنت أتلفتَ مال غيرك، (من أتلف مالَ غيره فهو له ضامنٌ) هذه قضية عقلائيّة اتفق عليها العقلاءُ، (مَنْ أتلف مالَ غيره فهو له ضامنٌ) لماذا؟ لأنّ في ضمان المال التالف مصلحة محضة لا يشوبها مفسدة، فهي عدلٌ، اتفق العقلاءُ عليها.
أما تأتينا بعض الأفعال فيها جهة مصلحة وفيها جهة مفسدة، هنا لا يمكن أن يحكم العقلاءُ بحسنها أو بقبحها إلا إذا درسوا سلم المصالح وسلم المفاسد ثم رجّحوا أحد الجانبين على الآخر, دعني أضرب لك مثالاً: الآن ضرب الطفل اليتيم، افترض أنت عندك طفلٌ يتيمٌ، أنت وليٌ عليه من قِبَلِ الحاكم الشرعي، هذا الطفل اليتيم ارتكب خطأ، أنت قمتَ بضربه، ضربته من أجل تأديبه, هذا العمل هل يقول العقلاءُ أنّه قبيحٌ؟! هل يقول العقلاءُ أنّه ظلمٌ؟! أم يقول العقلاءُ: هذا العمل فيه مفسدة لا ينكر؛ لأنّ في ضرب اليتيم كسرًا لعاطفة اليتيم وتأجيجًا لكراهيّة اليتيم للشخص الذي ضربه، لكن من جهةٍ أخرى فيه مصلحة، وهي تأديب اليتيم، وبما أنّ مصلحته أقوى من مفسدته لذلك لا يعتبره العقلاءُ ظلمًا لليتيم ولا يعتبرونه عملاً قبيحًا.
من هذا المنطلق نحن نأتي ونناقش الأمثلة التي مثّل بها بعض المفكرين والتي ذكرنها في المحور الأول:
نأتي الآن مثلاً إلى فتوى الفقهاء بعدم جواز زواج المسلم من الكافرة, أنت مسلمٌ لا يصح أنْ تتزوّج من امرأة كافرة، أنت تأتي وتنظر إلى جانب وتغفل جوانبَ أخرى، تقول: والله حرمة الزواج من المرآة الكافرة تمييزٌ! تمييزٌ للمسلم على الكافر، وهذا التمييز يتنافى مع كرامة هذه المرأة الكافرة! هذه جهة أنت نظرت إليها, انظر إلى الجهة الأخرى: أنّ في حرمة الزواج بالمرأة الكافرة حماية لتربية الطفل، أنت مسؤولٌ عن تربية طفلك تربية على الفطرة – يعني: على المفاهيم الملائمة للفطرة – وبما أنّ الأم هي المربّي الأوّل شئتَ أم أبيتَ, الأم هي المربّي الأول للطفل على المبادئ والمفاهيم، لذلك الشريعة الإسلاميّة احتاطت من أجل حماية هذا الطفل من أن تتسرّب إليه مفاهيم تتنافى مع فطرة التوحيد، {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [5]، من أجل حماية هذا الطفل من أن تتسرّب لنفسه مفاهيمُ منافية لفطرة التوحيد أفتى الفقهاءُ بحرمة الزواج من المرأة الكافرة, إذن أنت نظرتَ لبُعْدٍ وأغفلتَ البُعْدَ الآخر، وهو بُعْدٌ مهمٌ، وهو حماية تربية الطفل وحماية مفاهيمه ومبادئه.
تأتي الآن مثلاً أنت إلى فتوى الفقهاء بنجاسة الكافر: طبعًا هذه المسألة فيها كلامٌ وتأمّلٌ، لكن إذا افترضنا أنّ هذه الفتوى مُجْمَعٌ عليها ألا وهي أنّ الكافر نجسٌ، نقصد الكافر غير اليهودي وغير النصراني, النصراني واليهودي المشهور بين فقهائنا أنّه طاهرٌ، الآن تأتي إلى الكافر غير اليهودي و النصراني، قال فقهاؤنا بنجاسته، أنت تعتبر الحكم بالنجاسة تمييزًا للمسلم على الكافر، وهذا يتنافى مع كرامة الإنسان، لكن أنا أقول لك: الحكم بالنجاسة لا يدلّ على الاحتقار والإهانة.
أضرب لك مثالاً: الآن لو مات مرجعٌ، هل يوجد أعظم من مرجع؟! مرجعٌ مقدّسٌ عظيمٌ مات (الله يرحمه)! وجاء إنسانٌ ومسّ جسده بعد الموت وقبل غسله، مسّ جسده برطوبةٍ مسريةٍ ,ما هو حكمه؟ يتنجّس، مرجع! وينجس بعد؟! نعم، هذا الحكم الشرعي، لا يوجد فرقٌ بين المرجع وغير المرجع، إذا مات الإنسانُ فالموت سببٌ من أسباب نجاسة البدن، إذا مسّه الإنسانُ برطوبةٍ مسريةٍ قبل بُرْدِه فإنّه عليه أنْ يغسل يده (تتنجّس اليد)، أما إذا مسّه بعد بُرْدَه فعليه أيضًا أن يغتسل، ليس فقط يطهر يده، بل يغتسل أيضًا, إذن هل هذا الحكم بالنجاسة احتقارٌ لهذا المرجع العظيم؟! هذا حكمٌ شرعيٌ، الموت سببٌ من أسباب النجاسة سواءً كان الميتُ كافرًا, مسلمًا, مؤمنًا, مرجعًا... لا يوجد فرقٌ، لا يغيّر الحال شيء، الحكم بنجاسة الكافر غير اليهودي والنصراني ليس من باب الاحتقار له، هذا حكمٌ رمزيٌ من باب رفض الشرك والكفر, هناك بعض الأحكام في الشّريعة الإسلاميّة هي أحكام رمزيّة, كيف أحكام رمزيّة؟
يعني الآن مثلاً: ضرب جمرة العقبة بالجمار، عندما أنت تأتي وترمي الجمرة، إذا حججتَ ورميتَ الجمرة بمنى بالحجارة، هذا حكمٌ يرمز إلى ماذا؟ يرمز لمحاربة الشيطان، وإلا هل هناك شخصٌ عاقلٌ يأتي ويضرب الجدار بحجارة؟! ليس له معنى، هذا مجرّد حكم رمزي يرمز لمحاربة الشيطان، هنا أيضًا أنا عندما أمسّ يد الكافر غير الكتابي يقول لي: عليك أن تطهّر يدك إذا كان المسُ برطوبةٍ مسريةٍ، تطهير يدك ليس احتقارًا له وإنما هو رمز لرفض الشرك والكفر، أنت قيامك بهذا العمل ترمز به لرفض روحك لمبدأ الشرك والكفر ليس إلا, وإلا ليس احتقارًا له، ولذلك القرآن أمر بالبر مع الكفار، قال: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [6]، تتعامل معه معاملة الصّديق بالبر والقسط، لا يوجد مانعٌ, إنّما هناك حكمٌ ترمز به إلى رفض الشّرك والكفر ألا وهو تطهير اليد إذا مسستَ يده برطوبةٍ مسريةٍ، هذا هو.
أيضًا من الأحكام التي اُسْتُشْهِدَ بها: مسألة أن العقد – عقد الزواج أو الطلاق – يجب أن يكون باللغة العربية، أو الذبح يجب أن يقترن بذكر اسم الله باللغة العربية، هذا أيضًا من الأحكام التي لابدّ أنْ نفهم أبعادها، لا يصحّ أنْ نحكم من جهة ونترك جهة حتى نقول: هذا حكمٌ يركّز على الشّكل ولا يركّز على المضمون!
هذه الأحكام صدرت عن النبي محمّدٍ (صلى الله عليه وآله)، النبي هو أوّل مَنْ تلقى الوحيَ، بما أنّه العقلُ الذي تلقى الوحي فهو الأعرف بمضامين الوحي، لذلك رأى النبيُ (صلى الله عليه وآله) أنّ أقرب لفظٍ لمضامين الوحي هو اللفظ العربي، ما سوى القرآن الكريم الذي نزل من السّماء بالألفاظ العربية، ما سوى القرآن الأحاديث التي صدرت من النبي هي تعبيرٌ عن الوحي، النبيُ رأى أنّ أقرب لفظٍ لمضمون الوحي الذي تلقاه، والذي فهمه، والذي تعلمه من السّماء، أقرب لفظٍ إليه هو اللفظ العربي، ليست مسألة تحيّز للغة العربية، لا، ولا مسألة أنّ النبي كان عربيًا فلابد أن تكون الألفاظ عربية، لا، النبي الذي تلقى هذه التعاليم السّماويّة من السّماء هو الذي رأى أنّ أقرب لفظ معبّر عن مضمون هذه التعاليم هو اللفظ العربي، فقال: يُعْتَبَرُ في الذبح ذكر اسم الله عليه باللغة العربية.
وإلا نحن إذا نعتبر اللغة مجرّد شكل إذن معناه نصلي باللغة الفارسية أيضًا! صح أم لا؟! ليس فقط نذبح باللغة الفارسية، أيضًا نصلي باللغة الفارسيّة، بدل أن نقول: الله أكبر، نقول: الله بزو كتاب (خدا بزرگ است)!
كان يقال – يقال بغض النظر عن أنّه صحيحٌ أم لا – أنّ أبا حنيفة كان يفتي بجواز القراءة في الصّلاة باللغة الفارسيّة، فواحدٌ قرأ على فتوى أبي حنيفة، قرأ سورة الرحمن باللغة الفارسيّة، وعندما وصل إلى قوله: {وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} [7] {مُدْهَامَّتَانِ} [8]، (مدهامتان) يعني: شديدة الخضرة، كيف يعبّر عنها باللغة الفارسية؟! قال: (دو برگ سبز) في أثناء الصلاة! فهو عبّر باللغة الفارسيّة.
على أية حال إذا بنينا على أنّ اللغة مجرّد شكل إذن الصلاة باللغة الفارسية أيضًا تصحّ, إذن قراءة القرآن نقرؤه بالفارسي ونهدي ثوابه إلى الموتى! وهكذا لا يبقى شيءٌ، بالنتيجة: إذا تمّت هذه الفتاوى – التي تعتبر اللفظ العربي – فهي ترى أنّ هذا اللفظ العربي أقرب لفظٍ لمضمون ما نزل من السّماء، وبالتالي فمقتضى ذلك اعتباره، وليست المسألة لا تحيّزًا ولا اصطفافًا قوميًا نحو القوميّة العربيّة مثلاً, هذا المعلم الأول.
المعلم الثاني من معالم مسيرة الفقه الإمامي من حيث مواكبته للحياة:
هل الحكم الصّادر عن المعصوم – نبيًا كان أو إمامًا – هل هو حكم دائمٌ لكل زمانٍ ومكانٍ أم هو حكمٌ خاصٌ لظروفه التي صدر فيها؟ الفقيه يركّز على ذلك تركيزًا دقيقًا، كيف؟
هذا المعلم يركّز عليه الفقيهُ من خلال عدّة جهات:
الجهة الأولى: أنّ الفقيه يدرس مفاد النص, هل أنّ مفاد النص (حكمٌ تدبيريٌ) أو أنّ مفاد النص (حكمٌ قانونيٌ)؟
ما هو الفرق بين الحكم التدبيري والحكم القانوني؟
مثلاً: عندنا صحيحة محمد بن مسلم عن الصادق (عليه السّلام): سألته عن إخراج لحوم الأضاحي من منى, إذا واحد حجّ وذبح الهدي، في السابق كان الذبح في منى، الآن الذبح صار خارج منى، إذا الإنسان ذبح الهدي في منى هل يجوز أنْ يُخْرِجَ اللحمَ خارج منى أم لا؟ الإمام قال له: "كنّا ننهى عن ذلك" يعني: نحن سابقًا كنّا نمنع، نقول: لا تُخْرَج اللحومُ من منى, "كنا ننهى عن ذلك، أمّا اليوم وقد كثر الناسُ فلا بأس بإخراجها"، الإمام يقول له أنّ الحكم الذي صدر منا قبل ذلك كان حكمًا تدبيريًا ولم يكن حكمًا قانونيًا، يعني: كان حكمًا خاصًا بظروفٍ معيّنةٍ أردنا أنْ نعالجها، وبعد أنْ عالجناها انتهى ذلك الحكمُ التدبيريُ، إذن بعض الأحكام التي تصدر عنهم أحكامٌ تدبيريّة.
وبعض الأحكام أحكام دائميّة، مثلاً: حرمة الربا، يأتي الفقيه ويقول لك: أنا أحتاج إلى دليل أنّ حرمة الرّبا حكمٌ تدبيريٌ، إذا لم توجد عندي قرينة، إذا لم يوجد عندي دليلٌ على أنّ حرمة الربا حكمٌ تدبيريٌ أنا آخذ بإطلاق النص: {أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}، هذا نصٌ مطلقٌ، أنا آخذ بإطلاق النص وأقول: هذا حكمٌ قانونيٌ عامٌ لسائر الأزمنة والأمكنة سواءً تعرّض النقدُ لمشكلة التضخم أم لم يتعرض، أنا أمشي على إطلاق النص، ولم تقم عندي قرينة على أنه حكمٌ تدبيريٌ، هذه جهة.
الجهة الثانية: أنّ الفقيه عندما يدرس النص يدرسه من جهة أنّ مفاده (حكمٌ ولايتيٌ) أو أنّ مفاده (حكمٌ شرعيٌ), ما هو الفرق بين حكم الولايتي والحكم الشرعي؟
الرسول محمّدٌ (صلى الله عليه وآله) كان له مقامان:
1- مقام التشريع: وهو أنه مبلغ للشريعة.
2- ومقام الولاية: لأنّه كان رئيس دولة.
فله مقام الولاية وله مقام التشريع، بعض الأحكام تصدر عنه بما هو مشرّعٌ فتعتبر تشريعًا، بعض الأحكام تصدر عنه بما هو ولي الأمر فيُعْتَبَر حكمًا ولايتيًا, مثلاً: النبي نهى عن أكل لحم الحمر الأهلية يوم خيبر، أكل الحمار ليس حرامًا، واحد يأكل حمارًا أو يأكل حصانًا أو يأكل بغلة مثلاً، ليس حرامًا شرعًا، إنّما هو مكروهٌ، النبي (صلى الله عليه وآله) نهى عن أكل لحم الحمر الأهليّة يوم خيبر، يعني: في معركة خيبر، يقولون: هذا النهي ليس شرعيًا، هذا نهيٌ ولايتيٌ، يعني: النبي بما هو رئيس دولة وداخل في معركة يحتاج إلى وسائل لنقل السلاح من المدينة إلى خيبر وكانت الوسائل ذلك الوقت هي الحمير، فنهى عن أكلها من أجل توفير وسائل النقل، هذا نهيٌ ولايتيٌ وليس نهيًا شرعيًا.
الفقيه لابدّ أن يدرس ما هو مفاد النص: نهيٌ ولايتيٌ أو نهيٌ شرعيٌ، لذلك مثلاً نجد الإمام الخميني (قدّس سرّه) يذكر في كتابه (المكاسب المحرّمة) يتعرّض لهذه الرّواية الواردة عن النبي (صلى الله عليه وآله): "أشدّ الناس عذابًا يوم القيامة: رجلٌ قتل نبيًا أو قلته نبيٌ (هذا واضحٌ)، ورجلٌ يضلّ الناسَ بغير علم (يركب على المنبر وكل شيء ليس عنده ويفتي من هاهنا وهاهنا! هذا يفسد أكثر ممّا يصلح)، ورجلٌ صوّر التماثيل" كيف يعني رجل صوّر التماثيل؟!
الإمام الخميني عندما يأتي لهذا النص يحاول أن يكتشف مفاده، ما هو مفاده: هل هو صادرٌ كحكم شرعي أو هو صادرٌ من باب النهي الولايتي؟ يقول: لا يُحْتَمَل عقلاً.. لاحظ العقل دخل في البَيْن، لا أنّ فقهنا فقهٌ غيرُ عقلاني، فقهنا فقهٌ عقلانيٌ، يقول: لا يُحْتَمَل عقلاً أنْ يكون عقاب من يصوّر تمثالاً مثل عقاب من يقتل نبيًا، يعني واحد رآك وصنع لك تمثالاً، قال له: اقعد أمامي، وصنع لك تمثالاً، يعني هذا عذابه مثل عذاب من يقتل نبيًا؟! هذا ليس محتملاً عقلاً، إذن كيف؟! يقول: هذا نهيٌ ولايتيٌ بمعنى أنّ الأعراب بعد أن جاء الإسلامُ ونهاهم عن عبادة الأصنام مازالت رواسبُ الجاهليّة في نفوسهم، لم يتخلصوا من حبّ الأصنام تمامًا، فلجؤوا إلى تشكيلٍ تماثيلَ لكبرائهم، إذا مات واحدٌ من كبرائهم صنعوا له تمثالاً، ويحفون بالتمثال، فالنبي من أجل أن يقطع رواسبَ الجاهليّة ويجتثها من نفوسهم نهاهم نهيًا ولايتيًا عن تصوير التماثيل، وإلا ليس تصوير التمثال حرامًا بحرمة من قتل نبيًا أو يعذب بعذاب من قتل نبيًا، إذن لابد من تحليل النص على وفق القرائن العقليّة، وبالتالي قد يستفاد من النص أنّ مفاده حكمٌ ولايتيٌ، قد يستفاد من النص أنّ مفاده حكمٌ شرعيٌ، هذ جهة ثانية.
الجهة الثالثة التي يدرسها الفقيهُ: هل أنّ الأمثلة المذكورة في النص (أمثلة توقيفيّة) لا يجوز التعدي عنها أو أنّها مجرّد (أمثلةٍ حيويّةٍ في ذلك الزمان) فيجوز التعدي عنها؟
أذكر لك مثالاً: ورد عن النبي (عند الفريقين: الشيعة والسنة، ليس عندهم خلافٌ): "لا سبق إلا في ثلاث: خفٍ أو نصلٍ أو حافرٍ" ما هو معنى لا سبق إلا في ثلاث؟
هذا عقد السباق، الرهان على السباق، يعني: أنا أصعد فرسًا وأنت تصعد فرسًا، أينا يسبق يأخذ الجائزة، صح أم لا؟! نحن كلانا يرمي السهم، أينا يرمي السهم أبعد يأخذ الجائزة، هذا – عقد المسابقة برهانٍ – في النصل (يعني: في الرماح، في السيوف) جائزٌ، في المسابقة على الحصان والفرس جائزٌ، لكن هل يجوز في غير هذه الأمثلة؟ هنا يأتي الفقهاءُ ويدرس الموضوع، بعضُ الفقهاء يقول لك: نحن نجمد على النص، قال: "لا سبق إلا في ثلاث" فإذن لا يصحّ عقد المسابقة برهانٍ إلا في هذه الثلاثة.
بعض الفقهاء يقول لك: لا، هذه الثلاثة كناية عن الفروسيّة، نظير ما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله): "علّموا أبناءكم السباحة والرماية وركوبَ الخيل" النبي لا يقصد هذه الثلاثة فقط، إنّما لأنّ هذه الثلاثة كانت هي مظاهر الفروسيّة في زمان النبي لذلك قال: "علّموا أبناءكم السباحة والرماية وركوبَ الخيل" مقصوده: علموا أبناءكم الفروسيّة، أما في زماننا هذا صارت مظاهر الفروسيّة بأدواتٍ أخرى وبأشكالٍ أخرى، أيضًا علموا أبناءكم تلك الأشكال وتلك الأدوات، إذن مقصود النبي عندما قال: "لا سبق إلا في ثلاث: خفٍ أو نصلٍ أو حافرٍ" ليس هو حصر المسابقة في هذه الثلاثة، بل مقصوده: لا سبق إلا في مجال تعلم الفروسيّة سواءً كان بهذه الأدوات أو بغيرها، إذن الفقيه يتخطى النصَ أحيانًا إذا قامت عنده قرائنُ على ذلك.
 
الجهة الأخيرة التي يدرسها الفقيهُ: الجهة التي يدرسها الفقيهُ في النص هل هو (الجمود على النص) أم (قراءة ظروفه وأجوائه التاريخيّة)؟
مع الأسف بعض المفكّرين يتهم فقه الحوزة بأنّه فقهٌ جامدٌ لا يقرأ الظروفَ التاريخيّة، لا، مع أنّ الموجود في الحوزة هو قراءة الظروف التاريخيّة للنص، النص صدر في أي ظروفٍ؟ صدر في أي أجواء؟ إذا قامت عندنا قرائنُ على أنّ هناك ظروفًا تاريخيّة حفت بالنص وكان النصُ ناظرًا إليها قلنا بأنّ هذا النص خاصٌ بتلك الظروف.
دعني أضرب لك مثالاً: مثلاً مسألة الشطرنج، عندنا نصوصٌ تنهى عن الشطرنج مطلقًا، لا تلعب الشطرنج، بل في بعض النصوص: "الناظر إليه كالناظر في فرج أمه" إلى هذا المقدار من الشدّة، هذه النصوص إذا نقرأها وحدها ماذا نقول؟ نقول: لعب الشطرنج حرامٌ مطلقًا كما قال به أغلبُ الفقهاء.
عندما نقرأ الظروف التاريخيّة التي وراء هذا النص: الإمام الخميني (قدّس سرّه).. وهذا لا يختصّ به، أيضًا السيد أحمد الخنساري (قدّس سرّه) في كتابه (جامع المدارك) وغيره من الفقهاء، قالوا: عندما نقرأ الظروف التاريخيّة نجد أنّ هذا النص ورد في ظروفٍ كان الشطرنج أداة للقمار، فكان هو الأداة النشطة والحيويّة للمقامرة، فجاءت هذه النصوص مغلطة ومشددة في النهي عنه لأنّه كان الأداة المعروفة للمقامرة، لذلك يعتبر هؤلاء الفقهاءُ هذه الظروف قرينة على نظر النصوص لحرمة الشطرنج لا مطلقًا، على نظر النصوص لحرمة الشطرنج إذا كان أداة للقمار، أمّا لو فرضنا – من باب الفرض – أنّ الشطرنج أصبح عالميًا أداة لتنشيط الذهن وليس أداة للقمار، خرج، انسلخ عن كونه أداة للقمار، الإمام الخميني يقول: هذا جائزٌ، لو خرج عن كونه أداة قمار جائزٌ؛ لأنّ النصوص محفوفة بظروفٍ تاريخيّةٍ تصبّ في كون الشطرنج أداة للقمار.
إذن بالنتيجة: الفقيه في دراسته للنصّ يقرأ النص من خلال ظروفه وأجوائه التاريخيّة، لا أنّه يقرأ النص مجرّدًا كي يكون الفقهُ الإماميُ فقهًا مجانبًا للعقلانيّة كما ذكر من قام بنظرةٍ نقديّةٍ للفقه الإمامي كما تعرّضنا إليه في المحور الأول.
المحور الأخير من حديثنا:
نحن نقول أيضًا: كما أنّ الفقه الإمامي فقهٌ مواكبٌ للحياة فإنّه يُعْتَبَر في لغة الخطاب التي تلقى في المساجد والمنابر أنْ تكون لغة شموليّة، يعني: ناظرة للفقه بمختلف أبعاده، وهذا ما يجب أنْ يُرَكّز عليه، لغتنا في مساجدنا ومنابرنا لغة جامدة، يعني: تجمد على بُعْدٍ من أبعاد الفقه، إذا تذهب إلى المسجد تسمع فقط لغة الحلال والحرام، لا تسمع اللغة الأخرى، مع أنّ الفقه له أبعادٌ أخرى غير لغة الحلال والحرام، هناك أبعادٌ أخرى للمسألة الفقهيّة، كيف يعني الفقه يغطي الأبعاد بمختلفها؟
دعني أضرب لك مثالاً: الصدقة، الصدقة لها أبعادٌ: بُعْدٌ روحيٌ، بُعْدٌ نفسيٌ، بُعْدٌ اجتماعيٌ
1/ البُعْدُ الروحيُ: ترى الفقهاء يقولون: يُعْتَبَر في الصدقة قصد القربة، يعني: أنت لو تصدّقت على الفقير بقصد السمعة، بقصد الشهرة، صدقتك لاغية لا أثر لها، {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [9]، لابدّ أن تكون بقصد القربى، لماذا؟ لتعبئة البُعْد الروحي للصّدقة.
2/ تأتي إلى البُعْدَ النفسي: يقول لك: يحرم إعطاء الصّدقة بصورة المنّ والأذى، تأتي إلى الفقيه وتقول له: هيا خذ! هذا حرامٌ، أو تقول للفقير: إذا كنتَ تريد فتعال إليّ في البيت وقِفْ عند الباب وسأعطيك صدقة! هذا حرامٌ، أنت المحتاج إلى أن تدفع الصدقة لأنّك محتاجٌ إلى الثواب لا أنّه المحتاج، أنت تذهب إلى الفقير بنفسك وتعطيه الصّدقة، {لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ} [10] إذن الفقير يُحَافَظ على نفسيّته وعلى كرامته، من أجل هذا البُعْد النفسي يحرم إعطاء الصّدقة بالمنّ والأذى، هذا بُعْدٌ نفسيٌ.
3/ وعندك بُعْدٌ ثالثٌ وهو بُعْدٌ اجتماعيٌ: وهو أنْ تعطي الصّدقة ممّا تحبّ، يستحبّ أن تعطي الصّدقة ممّا تحبّ، لا أنّ شخصًا يرى عنده ثوبًا مقرمطًا ممشقًا فيقول: مادمتُ لا أحتاج إليه سأعطيه الفقير! يستحبّ ويرجح في الصّدقة أن تكون ممّا تحبّ، {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [11] {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [12].
إذن الصدقة لها أبعادٌ، والفقه يغطيها بكل أبعادها الإنسانيّة، من هنا لابدّ أن تكون لغتنا – لغة المنابر، لغة المساجد في طرح الفقه وفي طرح المسائل الفقهيّة – لغة إنسانيّة، يعني: تغطي جميع أبعاد المسألة الفقهيّة، لا أنّها تقتصر على بُعْدٍ دون آخر.
أنا الآن أضرب مثالاً حيويًا وأختم به: الآن مثلاً نأتي إلى الألحان المستخدمة في اللطميات والعزاء، نحن مع أنّنا ننظر إلى هذه الألحان نظرة دقيقة، لا إشكال أنّ قضيّة الحسين (عليه السّلام) تحتاج أن نغرسها في قلوب أطفالنا وأبنائنا، هذا لابدّ منه، وغرس قضيّة الحسين ومبادئ الحسين في نفوس أبنائنا وأطفالنا يحتاج إلى إثاراتٍ حسّيّةٍ، هذا الطفل يأتي هنا ويقعد ويتسمع ولكن كل شيء ممّا قلته لا يدري عنه! صح أم لا؟! الطفل لا يتعامل بلغة العقل، الطفل يتعامل بلغة الإثارات الحسّيّة، فيحتاج غرس قضيّة الحسين في نفس الطفل إلى إثارات حسّيّةٍ، هذا أمرٌ ضروريٌ، لذلك نحن نحتاج إلى أنْ نعرض رسوماتٍ عن كربلاء لأطفالنا حتى تنتقش قضيّة الحسين في قلوبهم، نحتاج أن نعلم أطفالنا على متابعة القنوات في هذه الأيام التي تتحدّث عن قضيّة الحسين وعن مسيرة الحسين من أجل غرس هذه القضيّة في لقوبهم، هذا لابدّ منه.
أيضًا نحتاج في لطمياتنا وأنشوداتنا إلى ألحانٍ مؤثرةٍ إذا سمعها الكبيرُ أو الصغيرُ يتأثر بها وينجذب نحو قضيّة الحسين (عليه السّلام)، هذا أمرٌ لابدّ منه، اللحن المؤثر عنصرٌ ضروريٌ في غرس مبادئ الحسين وقضيّة الحسين في نفوس الأجيال، هذا أمرٌ لابدّ منه، لكن عندما يكون هذا اللحن محفوفًا ببعض الضمائم التي تُضْعِف تأثيرَه، مثلاً: أن يكون هذا اللحن لحنًا مستخدمًا في الغناء، إذا كان اللحنُ لحنًا مستخدمًا في الغناء فسوف يعكس أثرًا معاكِسًا إلى ما نريد، نحن نريد أن تصل قضيّة الحسين قضيّة مقدّسة منزّهة إلى النفوس، فإذا اصطحبت القضيّة بألحانٍ غنائيّةٍ تلوثت هذه القداسة، تلوثت هذه الصّورة النزيهة المقدّسة لمبادئ الحسين وقضايا الحسين (عليه السّلام)، إذن اللحن يجب أن يبتعد عن الألحان المستخدمة في الغناء حتى نحافظ على قدسية القضيّة وقدسية المبادئ في نفوس أجيالنا.
أو مثلاً يقوم هذا الشّخص الذي ينشد اللطميّة مشكورًا مأجورًا، أنت تشاهده في بعض القنوات، تراه يمارس نفس الحركة التي يمارسها ذاك المغني! يعني تفتح على قناة فيها أغانٍ وتغيّر وتأتي لهذه القناة ترى هذا يمارس نفس الحركات (صاعد، نازل...) ويلبس أجمل الثياب ويمشي تحت مناظر جذابة ويمارس حركاتٍ...!! ما هو الداعي لهذا؟! صوت الحسين ومبادئ الحسين تحتاج إلى لحنٍ مؤثرٍ ولا تحتاج إلى هذه الضمائم كلها، فإنّ هذه الضمائم قد تعكس أثرًا معاكِسًا لما تريد أن تحصل عليه، بدل أن تغرس القضيّة بصورةٍ مقدّسةٍ – بصورةٍ مهيبةٍ – قد تغرس القضيّة بصورةٍ مهزوزةٍ وبصورةٍ ملوّثةٍ وبصورةٍ غيرِ جذابة.
إذن لابدّ أنْ نحافظ على قضيّة الحسين بتمام أبعادها، ولذلك الفقه يتدخل في المقام من أجل أن يغطي هذه القضيّة بتمام أبعادها وتمام صورها المقدّسة النزيهة، قضيّة الحسين قضيّتنا، مبادئ الحسين هي مبادئنا التي ننشدها يوميًا وسنويًا، الحسين كله يعيش في مبادئنا وقيمنا.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمّدٍ وآله الطيبين الطاهرين


[1]الأنفال : 24.
[2]الإسراء : 70.
[3]الحجرات : 13.
[4]البقرة : 275.
[5]الروم : 30.
[6]الممتحنة : 8.
[7]الرحمن : 62.
[8]الرحمن : 64.
[9]الفرقان : 23.
[10]البقرة : 264.
[11]آل عمران : 92.
[12]الإنسان : 8.
المرسل: الأربعاء, 16 كانون2/يناير 2013
 
الفقة الإسلامي بين التبعية والعقلانية : السيد منير الخباز